by: Marcos Guinoza
- Disclaimer: فكرة أهداف المرحلة مأخوذة عن لبنى أحمد
عزيزي الذي يقرأ،
هناك تسجيلات لبعض أغاني أم كلثوم يصل فيها صوتها
إلينا صافيًا، كأنّما سجّلت الأغنية قبل بضع ساعات وألقتها بين يديّ الأثير. وهناك
تسجيلات يكون صوتها بها يافعًا، لم تلثمه الأعوام ولا الوعكات القلبيّة بعد، هذه
التسجيلات تربيتة عند الحزن وشماعة جديدة أعلّق عليها وهمًا قديمًا من أمل. لا
أدري كيف كان حالي سيكون دون صوتها ودون أغانيها، لو لم تُفتح لي بوابة الدخول لأم
كلثوم المدينة. أتجرعها كاملة حتى مناطقها الرمادية وزوايا الأنثى الضعيفة أمام
سطوة الرجل في الحب، ربما يعزيني أنّ كُتاب هذا الكلام رجال وقعوا ضحايا لرفضها، ربما.
أتجرعها كأنّها إكسير شفاء مختوم أو ترياق يمحو الذاكرة. أتجرعها كأنّها آخر قطرة
مسلوبة من زمزم خُتِم في ناصيتها القرآن... أتجرعها كأنّي أصلي. أيعفو الله
ويتجاوز عن إحساسي هذا ليلة القدر؟
عزيزي الذي يقرأ،
يزعجني العجز عن تحويل ما يدور في رأسي لكلمات.
يزعجني أنّ مشاعري لم تعد تحاول التدفق خارج جدران الرأس، لم تعد تأبه للنوافذ
الزجاجية ولا تحاول كسرها. يزعجني أنّي توقفت عن محاولة ايجاد كتف عريضة تحتمل
انهياراتي الفجائية. لكن لا يزعجني الخدر، بل أسكن إليه باستسلامٍ راضخٍ ممل. لا
أقاوم ولا أعرف إن مارست فعل المقاومة من قبل أم أنّ هذه الهشاشة معجونة منها
أضلعي.
تتعبني البدايات بشكلٍ استثنائيّ. أؤجل بداية جديدة ملحّة
في العلاج النفسي مطعمة ذاتي بألف حجة واهية، أتجرعها ببطئ ثم أتركها تضرم حريقًا
جديدًا في داخلي. لا تؤلمني اللسعات، لكنّي أشعر بالذوبان. فاهم عليّ؟
كنت في القدس قبل أسبوعٍ تقريبًا. دائمًا ما تجد هذه
المدينة طرقًا جديدة لتُفشل مخادعتي المحبوكة حولها. لا أذكر رمضانًا مرّ في الأعوام
الخمسة الأخيرة لم أصل التراويح ولو لمرة في المسجد الأقصى. لكنّ صلاتي هذه المرة
كانت غريبة وباردة ولاذعة. كلّ مرة لامست جبهتي الأرض شعرتُ أنها الأولى التي أسجدُ بها لله. كبّلني شعور من الضعف والعجز والحاجة والنفور، جفاء
وقرب وخوف ولوعة. أردتُ مشاركة العالم كله شعوري، أن أصرخ بصوتٍ عالٍ أني أريدُ كتفًا
وحضنًا وملجأ، وأنّي حزينة... ولم أفعل. أخاف ألّا أجد متسعًا يضم ما أقوله...
وتوقفت منذ مدّة عن محاولة إيجاد هذا المتسع.
أنا غير قادرة على افتعال حديث مع أيّ أحد أو على إتمام
ما اقترفتُ من محادثات سابقة. أريد التخلص من شعور الثقل؛ الثقل الجاثي على صدري
والثقل الذي أضعه على من حولي. أريد أن أطفئ صوت محمود درويش الذي لا ينفك يردد
"عليك أن تجد الجسد، في فكرة أخرى، وأن تجد البلد في جثة أخرى، وأن تجد انفجاري
في مكان الانفجار.... الان بحر. الآن بحر كلّه بحر، ومن لا بر له لا بحر له. البحر
صورتنا، فلا تذهب تمامًا" في رأسي. أتجنب الذهاب للبحر وحدي لئلا يتجبّر صوته
على قناعتي المعقودة أنّي لستُ "كلّي بحر" وأنّ للجسد وللبلد ولي معنى آخر
غير الرغبة بالتلاشي.
"هي هجرةٌ أخرى، فلا تذهبْ تماما
في ماتفتَّحَ من ربيعِ الأرضِ، في ما فجَّر الطيرانُ فينا
من ينابيعٍ. ولا تذهبْ تماما
في شظايانا لتبحث عن نبيٍّ فيكَ ناما.
هي هجرةٌ أُخرى إلى ما لستُ أَعرفُ...
أَلفُ سَهْمٍ يكسرنا
ومَنْ أَدمى جبين الله ’ يا ابنَ الله، سَمَّاهُ، وأَنزلهُ كتاباً أو غماما"
في ماتفتَّحَ من ربيعِ الأرضِ، في ما فجَّر الطيرانُ فينا
من ينابيعٍ. ولا تذهبْ تماما
في شظايانا لتبحث عن نبيٍّ فيكَ ناما.
هي هجرةٌ أُخرى إلى ما لستُ أَعرفُ...
أَلفُ سَهْمٍ يكسرنا
ومَنْ أَدمى جبين الله ’ يا ابنَ الله، سَمَّاهُ، وأَنزلهُ كتاباً أو غماما"
عزيزي الذي يقرأ،
نهاية الأسبوع هذه كانت سيّئة. لا أدري إن كان الأمر
منوّطًا بجسدي الذي يمر "بفترته من الشهر" ويجعل من الرحم يجهض
كلّ ما يمر داخلي من شعور. أحاول أن أقنع نفسي أنّها وعكة مزاجيّة مؤقتة وستمر... هي
فعلًا ستمر.
الباريستا هذا المساء لم يُتقن صُنع قهوتي، اعتلاها الكثير من الرغوة رغم طلبي بأن تكون سوداء قاتمة دون إضافات تُحاول جعلها شيئًا
آخر. لكنّه حضّر لي قهوة مشوّهة وحجّة هشّة للبكاء. أخذتها محاولةً تأجيل انهياري
ورحت في خروجي السريع من المقهى أسابق الدمع الذي يقف أعلى الحلق.
ولأزداد من الشعر بيت، وجدتُ مكاني المفضل في هذه
المدينة – مكاني المنعزل المترفّع عن أضغاث العالم- مكتظًّا بالناس. جلستُ هناك مدّة
تقلّ عن دقيقتين، تجمّعت العبرات مجددًا في عيني معلنة رحيل آخر، فقمت. كنتُ أداعب
خيوط الوحدة في طريق عودتي، وأتساءل عن المفارقة التي تضرب جدران صدري، عن حاجتي
الغريبة لحضن وعن انعدام قدرتي على التواجد بالقرب -فيزيائيًا ونفسيًا- من أحد، فقبّلت
إنارة الشارع فجأة ظلّي فانقسم أمامي على الأرض، أصبحتُ اثنتين تسيران جنبًا إلى
جنب وتتحدان في نقطةٍ واحدة. هاكِ، هذا الـ"معلش" الذي تحتاجين.
اه بالمناسبة... الليلة يُعلن العالم عن مرور 26 عامًا لي في معتقله.
اللهم خلاصًا.
عزيزي الذي يقرأ،
يُقال إنّ غدًا بداية شهر رمضان، يُقال أيضًا أنّنا نحتاجُ
ثلاثين يومًا لنكتسب عادةً جديدة أو نتخلص من أخرى ضاقت علينا. يُقال إنّ هذا
الشهر ضيفًا كريمًا يأتي مُحمّلًا بالخيرات وما علينا إلا البحث عنها \ الاطلاع
عليها كي نُشرّع له أبواب صدورنا. أحاول أن أحارب ضيقي بهذه المقولات، لكن يبدو
أنّ الضيق استحوذ على المكان وهذا الشهر هو الجرثومة المُبتغى قتلها. أيمكنني
التصريح بأنّي لا أحب رمضان دون أن تُشّن في وجهي أسهم الاعتياد المصبوغة بدهان
الدين اللزج؟
منذ مُدّة وأنا عاجزة عن فهم مشاعري، خاصّة تلك التي
تجتاحني في أكثر اللحظات غرابةً وتقف جنديًا فظًّا على باب المدامع. هذه حلبة جديدة لم أستطع بعد فك شيفرتها. هل أخبرتك بالسابق أنّ أكثر
لحظاتي ضعفًا هي حين تتفلت من بين يدي حبال المشاعر؟ أخبرتُ صديقًا لي أنّ مشكلتي مع المشروبات الكحوليّة
في كونها تُفقدنا القدرة على السيطرة الكاملة، فأجاب أنّ اللحظة التي تسقط بها كل
الجدران الاجتماعية التي نُحيط بها أنفسنا – لحظة الثمالة- هي أكثر لحظة إنسانيّة
طاهرة حقيقيّة. يخيفني أن أكون فوق الجدار لا خلفه، أيعقل أنّي أخافُ من حقيقتي؟
هنالك عُطب في مجسّاتي الشعوريّة تجاه الناس. كنت أحب
قدرتي على اقتلاع الناس من داخلي، على ايصاد الباب أمام العلاقات المُتعِبة وأعرف
متى أشق نافذة العودة أمام أحدهم. لكنّ في الفترة الفائتة باءت قراراتي كلها
بالخيبة. أنا أشعر بالخيبة، ممتلئة بها حتى أعلى خليّة في داخلي. ليس لمنح الأشخاص
فرصًا، بل لكونها كلّها خاطئة. لكنّي مع ذلك عاجزة عن التخلّص من رماديّة هذه
العلاقات، لا هم بالبُعد الكافي ولا بالقرب المريح... منطقة رماديّة مليئة
بالنتوءات.
أأخبرتك أنّي في صدد انهاء لقبي الجامعيّ في الأشهر
القريبة؟ أنا خائفة، أتحاشى التفكير في المستقبل وتُربكني الأسئلة حوله. لا قدرة
لي على بناء مخططات جديدة بعد انهيار سابقاتها. لكن لنترك الحديث عن هذا الموضوع –
أو لنهرب منها – في رسالة قادمة.
كيفك إنت؟
عزيزي الذي يقرأ،
أنا مستاءة. كيف يمكننا أن نناظر شخصًا شاطرنا معه
جزءًا من القلب في السابق بعين الخيبة والقِلى؟ الحب والبغض شعوران متشابهان جدًا
ومن السهل الخلط بينهما، لكن أين تقع الخيبة على هذا الطيف؟ وأين يقع شعور السخافة
الذي يجتاحنا حين نُدرك الكم الهائل من الإشارات التي قررنا -بمحض إرادة منا- أن
نغضّ الطرف عنها؟ وعلى أيّ أرضية يقف هذا الشخص بعدما سقطَ من أحد أدراج القلب
العالية إلى أسفل هاوية في داخلك؟
أنا مستاءة، كيف يتبدل الشعور والأحوال والمواقف في
داخلنا مثل عجلةٍ مُسنّنة تصطدم أطرافها بأحشائك؟
أيسمع صوت احتكاكها أحد؟
عزيزي الذي يقرأ،
أنهيتُ قبل قليل
تفريغ مقابلة intake مع فتاة كجزء
من المختبر الذي أعمل به. تم تأهيلي لأقوم بعمل المقابلات الأوليّة للمنتفعات من
العلاج النفسيّ والذي يخوض في العلاقات الأسرية ونوع العلاقة وتجارب الحياة
المختلفة وتأثيرها على الفتاة البالغة اليوم، أليس من السخرية أن أعمل في مجال
الصحّة النفسيّة بمكان يُدعى "مختبر"؟ ما علينا، أعلم أنّه ليس لي باع
طويل في هذا المجال وأنّ مع الوقت والتجربة قد يخفّ ثقل ما أسحبه فوق قلبي بعد كل
مقابلة أو جلسة، لكنّي اليوم مُحمّلة بالكون أجمع فوق صدري... فتحتُ في ضلع الفتاة
فجوة فانسكبت كلها في داخلي.
تخوض بعض هذه الأسئلة
في تجارب الفقدان في الطفولة أو في سنوات جارية من الحياة، الكثير من الفتيات يقفن
عند هذا الموضوع ويسألن إن كان يمكن الحديث عن فقدانٍ نفسيّ، فقدان عاطفيّ، وفاة
الشخص في القلب لا في الواقع... لا أعلم صدقًا أيّ المقابر أشدّ ضراوةً؛ مقبرة
القلب أم مقبرة الأرض، لكنّ المؤكد أنّ لأيّ من الفقدانين أشدّ التأثير على مجرى
حياتنا.
قمتُ بجولةٍ في منطقة
جبليّة قرب الجامعة قبل يومين وأرفقت بعض الصور في حساب "انستجرام"
خاصّتي... أثنى على الصور أحدهم ثم سألني عن المنطقة وعن الفرق الشعوريّ الذي يُحدثه
الجبل عندي مقابل البحر، استغربتُ من سؤاله لكوّن هذه المسألة بالذات رافقتني طوال
سيري في المكان... ثم سألني إن كُنت قد جُلت المنطقة وحدي. لماذا يؤلمني أنّه
يعرفني بهذا الشكل؟
أنا لا يؤلمني، يا
عزيزي، شيء مثلما يؤلمني فقداني جزءًا من ذاتي في الآخرين.
أرفق لك بعض الصور من المنطقة الجبليّة تلك...

عزيزي الذي يقرأ،
قال لي صديق ذات مرّة أنّ كل من يرغب بدخول مجال
العلاج النفسيّ قد مرّ بتجربةٍ ما في حياته شعر بها بحاجة للإنقاذ، لا يهم إن كانت
هذه التجربة بالمعايير الاجتماعيّة أمرًا عاديًا، لا يهمّ عمره، المهمّ أنّه احتاج
لأنّ يتمّ إنقاذه. وهذا شعور لا يفارق النفس بل يبقى ملاصقًا لها، يترآى من بعيد
عند كلّ قرار.
أتساءل، أي تجربةٍ تلك التي دمغت نفسي بهذا الشعور؟
أخاف من الاعتراف بأنّي أريدُ أن أكون معالجةً
نفسيّة، أخافُ من عدم الوصول على الرغم من معرفتي أنّ هذه غاية تعددت إليها الطرق،
هنالك عشرات الخنادق التي تؤدي بالنهاية إليها... لكنّ هناك صوت ما في داخلي، رعتُه
التجارب حتى كبر وتجبّر، لا يكفّ عن تكرار أن النور في نهاية كل الخنادق زائف، ما
هو إلّا مفرق بين ظلمةٍ وأخرى.
أنا بحاجةٍ للإنقاذ يا عزيزي، لكنّ يدي قصيرة وصوتي ضائع
وأقدامي مُنهكة.
Question: Well, how do you know that you're not ok?
Answer: When you cry like you've just lost someone over a stupid TV show.
Answer: When you cry like you've just lost someone over a stupid TV show.




