Artwork by: fredericforest.com
هل هنالك علاقة بين الرغبة الشديدة والركود؟ علاقتها
عندي يتوسطها الخوف؛ كلما ازدادت رغبتي في شيء ما تفاقم خوفي منه \ من عدمه \ من
حقيقته وبالتالي يعتنقني الركود.
ينتظرني بعد شهر تقريبًا اختبارٌ مهم جدًا، العتبة
الأولى في الفصل المؤجل من حياتي... أو الهوّة. لكن كلما اشتد ساعد الوقت تناولتُ جرعة
مسكرةٍ جديدة من الركود. جربتُ كل ما يجربه الناس ليصحوا، لكنّي فشلت. أنا ثملة،
ثملة حتى آخر خلية في جسدي ولا قدرة لي على الاستيقاظ.
هناك نظرية في علم النفس الاجتماعي تنصّ على تشارك المسؤولية
بصمت، دون النطق بذلك. كأنّ تكون بين حشدٍ من الناس فيقع أحدهم فجأة، أنت تريد مد
يد المساعدة، لكن وجودك بين أناس آخرين شهدوا معك ذات الحدث يخفف عن كاهلك الحاجة
بالعمل، هنالك مستوى ما في اللاوعي يخبرك أنّ غيرك سيساعد فلا داعي لأن توكّل نفسك هذه المهمة. أشعر أنّ الخلايا في جسدي تتشارك مسؤولية إيقاظي، تقف كلّها مشدوهة
على أطراف أصابعها، لكن ما من أحد لينكأ الجدران.
حدثتني صديقتي قبل يومين عن تعثرها بخيبة جديدة. المختلف هذه
المرّة، على حدّ قولها، أنّها ارتطمت بالأرض بقوّة وتشكّ في قدرتها على الوقوف. شعرتُ
لوهلة أنّها مستسلمة لهذا الشعور ولا تنوي مجابهته. التصاقنا بالأرض بعد أن
أوقعتنا خيبة ما أسهل مئة مرة من محاربة الجاذبية في قيامة الوجع. أحاول ألّا
أقارن قيامة أحدٍ بأحدٍ، لكن المشترك المؤكد أنّه ما من أحدٍ يكبح جماح قيامته لينتشلك،
ما من أحدٍ يتوقف في محاذاة الطريق ليرى من ذا المستلقي عليها. الجميعُ يمرّ عنك. الوقوف
مجددًا هو مهمتك أنت، مهمتك التي لا تعني لغيرك شيء مهما ادعى عكس ذلك.
لماذا يصعب عليّ القاء هذا الخطاب من الداخل؟ لماذا يسهل
عليّ خياطة أوجاع الآخرين بينما أطرافي مفتّقة؟
ألّح عليّ أحدهم هذا الصباح أن أكلمه هاتفيًا بعد رفضٍ
دام طويلًا. أسمعني كليشيهات العيد كلّها وحاول إضحاكي بكل ما أتاحت له السُبل.
أنهى المحادثة بعد أن قال لي: أنتِ خُرافيّة.
ابتسمت. وأبتسم الآن وأنا أكتب هذا السطر، لكنّي عاجزة
عن تذكر سبب قوله.
لا بأس.
عيدٌ غير بائس يا عُلا.
-
أنا قطبان متنازعان لا وسط بينها، لا أعرف كيف يكون المرء
وسطيًا في شعوره، كيف لا يعتنق الخير بكل جوارحه أو يتشظى حتى آخر خلية في جسده.
لا أعرف كيف يحتاج المرء لأكثر من فقدان اهتمام ليتجاوز غيره. لا أعرف كيف يمر
يومه غير طافحٍ ولا فارغ، وسطيّ المعايير غير مبالغٍ في ترفه وحزنه ووحدته
وامتلاءه.
-
هنالك غيمة سوداء مفرغة من الـ "غدًا يوم
جديد" تطوف حول عنقي.
متى ينتهي هذا الأبد، يا ربّ الأبد؟
لم أكتب حرفًا واحدًا
بعد رسالتي الأخيرة لستي.
كنتُ أظنَ أن الكتابة
هي المتنفس، الرئة الثالثة والوحيدة، الشق اللانهائي وسط هذا الاختناق. لكن يبدو
أننّا معجونون من آليات نفسيّة تهوى المبالغة فالمكابرة فالتخطي. بمقدور كل
الأشياء المهمة التخلي عنّا، ونحن بالمقابل ننتقم منها بالتخطي.
لم أكتب حرفًا واحدًا
بعد رسالتي الأخيرة لستي، ليس لأنّ شيئًا لم يحدث، بل لأنّي فقدتُ القدرة على
التمييز أأكتب للكتابة أم لحاجة في التفريغ؟ لماذا هذا الاهتمام الثقيل بجعل الوجع
مكتوبًا بأبلغ صورة ممكنة؟ أحب اللغة والمفردات والاستعارات التي تجعلك تتحسس جلدك
ينصهر فوق الحروف ويعاد تشكيله. أحب اللغة والمفردات والاستعارات وما تصنعه من شده
في القلب وربطٍ في اللسان. لكنها حين أصبحت الهدف اعتزلتني.
لا بأس...
صديقي يقول بأنّ الأشياء
لا تصالحنا بالانتظار، علينا السعي نحوها وإن أسقطتنا أرضًا نزحف باتجاهها بقدر
أهميتها.
وها أنا الآن أعلن
بدأ الزحف باتجاه اللغة لتطويعها وسيلةً... وسيلةً لا هدف.
"يا رب تشتي..."
ثم أصمت...
أنتِ أمامي الآن، تجلسين على سريرك، كعادتك، تطوين بين أصابعك
كيسًا فارغًا، يُعانِد مصيره بالانكماش، تَبسُطينه، ثم تعودين لتشكيله من جديد...
أحاول الغناء مجددًا... "يا رب تشتي..." أنتِ تُحبين
الشتاء رغم ما يفرضُه عليكِ من منع تجوال، لكنّه يُكاسِرُ عنادنا أمام الانكماش،
ويغلب. نعود راغبين إعادة تشكيلٍ إليكِ...
"يا رب تشتي...
وأروح عند ستي..."
أنحني أمام اللفظ الأخير، أمسحُ فوق قلبي ثم أسقط. ضوضاء العالم
في داخلي تستكين... أتعلمين أنّ السين والتاء حرفان مهموسان؟ يخرجان من الفم دون
جهد، دون إحداث أيّ جلبة ويستقران في المدامع. حرفان دافئان برائحة المطر، يبدأن
بمتكئ ويؤولان لمتكئ. وبين هذا وذاك يذوب الكون كله، يتوقف عن الدورانِ ويطفئ
شاشاته العازلة، يعود أدراجه لأصله، مسبحة سمراء تذكرين بعدد حبّاتها الرب إناءَ
كلّ صلاة.
"يا ربِّ تشتي... وأروح عند ستي...
تعملي فتّة..."
ما طعمُ السماء اليوم؟ أتساءل... فتّة كاللتي تتناولينها صباحًا
مغمورةً بالشاي. أو فلتكن قرص دواءٍ سرمديّ يغنيكِ عن كثير العلب المختبئة تحت
الوسادة، تبلعين العشرات منها كل يومٍ. تبلعين الألم. أما أنا، فأبلعُ الحُزن. لكنّ
جسدي أضعف من مهاجمته، يطرقُ جدران معدتي بشدّة، يُخضِعُ كريات الدم البيضاء، بضعه
ينصهر تحت الجلدِ وبضعه يحول العين ماءً، يحفرُ ببطءٍ دربًا يمشيه القلب بقدمين
داميتين بعد أن ارتضاكِ من اليوم قِبلته، يهرول نحوك ويشيب.
طعم السماء اليوم كالأرضِ الرحبة التي خلقتها بداخلنا، بذرة
التمرّد الأولى؛ "هو ماله فيّ أبوتش؟ خذيهن وتقوليلوش". طعمٌ ينفجرُ من
أعماقِ الروح كالزعتر الأخضر والخبيزة والسبانخ. طعمُها اليوم أصفر، مسلي الفستق
الذي تُحبين، ثلاثة أكياس يتيمة شُرّع لها النوم بمحاذاتك وحالت بيننا لعنتي
الدهريّة؛ البكاء والوقت.
البكاءُ وجهتي الجديدة، المتنفس، أقول في سري بينما يضيقُ عليكِ
نَفَسُك. لا أدري ما الحكمة التي سنُحقَنُ بها جرّاء السؤالِ لماذا لم يكن نفسك
الأخير في بيتك، مثلما رغبتِ، عزاؤنا ربما في جمال وجهك حين غادرتيه نحو النور،
عزاؤنا البكاء، كانت تُحبكم فابكوها، قالتها سويداء قلبك، رفيقتك، ابنتك الوحيدة
وهي تهجو تراكيب اللغة المتقرّحة في كلمة "كانت". أتعلمين أنها تُشبهك؟
أنظرُ إليها فأراكِ... حتى في فاجعتنا بك تركت قطعةً نمسحُ بها خطايانا.
"يا رب تشتي... وأروح عند ستي... تعملي فتّة...
أكلها وأنام..."
قلتِ بأنّي أدرسُ كثيرًا وأنام، "بس تصحى بتيجي
عندي..."، جئتك أجدد البيعة، يدي قصيرة، يدك جميلة وبيننا مسافة طويلة من
النوم.
تنظرين في حافة الموت المحاذية، "لو تعطيني شويّة نوم"،
ليتك لم تأخذيه كلّه يا ستي...
ليتك لم تأخذيه.
أين تذهب الأمنيات الصغيرة التي تنفلتُ بين كلماتنا المدروسة
والمصفوفة كالحصن جنبًا إلى جنب؟ أيعقل بأنها تتسلل للسماء في ظلّ النهار وتبقى
معلّقة هناك إلى أن تدق الساعة الثانية عشر بعد منتصف الليل فتحول شهبًا؟
هنالك أمنيات بيضاء هلاميّة، تسقط في الفجوات التي يُحدثها غياب الأشياء وتتخذ صورتها في محاولة خبيثة لصدّ الحنين.
وهنالك أمنيات سوداء، تتساقط كالنيازك التي تحملُ للأرض ضغينة عمرها ما لا نستطيع عدّه من السنين، تحرق بوابات الذاكرة وتستبدلها بمرآة صمّاء مقعرة لا تعكسُ إلا النيران.
هنالك أمنيات بيضاء هلاميّة، تسقط في الفجوات التي يُحدثها غياب الأشياء وتتخذ صورتها في محاولة خبيثة لصدّ الحنين.
وهنالك أمنيات سوداء، تتساقط كالنيازك التي تحملُ للأرض ضغينة عمرها ما لا نستطيع عدّه من السنين، تحرق بوابات الذاكرة وتستبدلها بمرآة صمّاء مقعرة لا تعكسُ إلا النيران.
هنالك أيضًا أمنية رماديّة واحدة، تصل طرف السماء بجبهتنا ولا تبوح بشيء... إلّا بأنّ لا بأس.
نحنُ
نأتي على وجه الدنيا وحيدين، كلٌ منا في مسلكه، لكننا نمضي حُكمنا فيها في محاولة
بائسة لنقض هذه الحقيقة.
يقولون أن الحياة لا تُعاش
إلّا بآخر نُقاسمه شطرًا من ذواتنا ويحمل عنا كتف مشاعرنا الثقيل – الثقيل جدًا-
ونحمّله كذلك وزر ما نرغب في أن يكون حجابًا عن أبديّة الفراغ.
علاقتنا بالأشياء تُبنى من رغبةٍ داخليّة بتشكيلها، من شعورٍ ملحٍّ بحاجة تجثو أعلى الرئتين إن لم ترَ نورًا "واقعيًّا"، فندور حول أنفسنا ألفًا ونُطعِمُها شتّى الخرافات الصادقة حتى تُكمل عدّتها في الخارج. فنظنّ حينها أنّا حظينا بالراحة وأن اقتران الرغبة بالأشخاص تحقيقٌ للمطالب وليسَ مقصلةً تُطبق فوّهتها علينا كلما مُنِحَ "الآخر" جزءًا أكبر من داخلنا.
علاقتنا بالأشياء تُبنى من رغبةٍ داخليّة بتشكيلها، من شعورٍ ملحٍّ بحاجة تجثو أعلى الرئتين إن لم ترَ نورًا "واقعيًّا"، فندور حول أنفسنا ألفًا ونُطعِمُها شتّى الخرافات الصادقة حتى تُكمل عدّتها في الخارج. فنظنّ حينها أنّا حظينا بالراحة وأن اقتران الرغبة بالأشخاص تحقيقٌ للمطالب وليسَ مقصلةً تُطبق فوّهتها علينا كلما مُنِحَ "الآخر" جزءًا أكبر من داخلنا.
العطب
لا يكمن بالأشياء ذاتها، إنما بالفكرة التي تجعل منها مليكًا فوق مزاجنا بفعل كلمة.
نحنُ
نتناسى في كثيرٍ من الأحيان بأن المشاركة تعطي "الآخر" أحقيّة في
ذواتنا، شئنا ذلك أم أبينا. ونتناسى أيضًا أن الطبطبات قد تهترئ جرّاء استخدامها
المفرط، وبأن الجنّة كذلك فكرة وقد "تُداس بلا ناس" إن رغبنا. وبأنّ
الحقيقة الواحدة - ووحدها حقيقة- هي كون "الجحيم هو الآخرون".
عزيزي الذي يقرأ،
الأسئلة كلها تملك إجابة واحدة...
أحاول منذ مدّة أن أكسرَ معتقل
الشعور بالكتابة، لا أدري إن تكوّرت على نفسها في جوفي بإرادةٍ منها أو حشرها أمرٌ
ما هناك، الأمر الوحيد المؤكد أنها معتقلة وأن الركود في سجنها يطيب لها، لم تعد
تتحايل على النورِ في المقل أو في أعلى الثغر. تجلسُ بحزنٍ رتيب جميل في القاع،
تتقلب ذات اليمين وذات الشمال لئلا يتجاوزها، مثلما فعلَ غيره، مجرى الدم.
هناك من يدّعي أن التعبير باللغة
المحكيّة أكثر مصداقيّة لما في القلب وأقربُ شكلًا لما نُحِتَ فيه من خدوش،
فالفصيحة ليست السهم الأول الذي يشحذه العقل إن أرادَ أن يُصيبَ أو يُطبب. لكنّي أظن
بأن ما يعتري معتَقلي الصغيرَ من شعور يليقُ به لغة مختلفة، مفرداتها ليست في
متناول الجميع. كلماتٌ تعتصرُ الخلايا ذاتها لتلدها... وأنا، لا زلتُ أحاول تعجيل
المخاض رغم علمي باحتماليّة تشويه الخليقة.
بيدّ أنّ لا بأس... فالولادات من
كل الأصناف تملك إجابة واحدة...
اعتدتُ دائمًا على الجلوس في طرف
اللحظات، حتى عندما تكون لحظتي أنا، أجلسُ في الطرفِ أرقبُ الزحام كله، اللا أحد،
وأستخرجُ منه نظرياتٍ ومفاهيمَ لا يسمعها غيري، أركلها لسوادِ الليل لألهيه عن
الامتزاج بي... وأكمل أنا جلوسي في الطرف صامتة. راضية.
لم يأبه بي أحد، ولم يُدرك أحدُ
من قبل جلوسي في الطرف، حتى في لحظتي أنا، وظنّ اللا أحد قصيرُ النظر فاقدُ
البصيرة أن هذا العالم الواسع\ الضيق\ الرحب\ الخانق الذي يدور حوله قد منحه من
سعته\ صغر يده لحظةً إضافيّة ودورةً جديدة في مجرّاته.
بيدَ أنّ لا بأس... فالدورات كلها،
مهما عظمت أو صغرت، تؤول نحو إجابة واحدة...
لا أدري، عزيزي الذي يقرأ، كيف
نُجبِرُ شيئًا ما ظاهريًا ملموسًا صنيعَ البشر أن يُعبّر عمّا لا يحتملُه الجسد
فيطمره في الروح. وكيف نقوى بكل الأنانيّة والجشع على محاولة تشكيله في قوالب
ومسميّات سحيقة تُلائم نوافذ العقل وضآلته. وكيف تأتي كلمةٌ واحدة وتقلبُ كل هذه
المقاييس والمكاييل والاعتبارات على الرغم من أنها تحومُ طوال الوقتِ فوق رأسنا...
لا أدري، عزيزي، لماذا لا تستطيعُ
كل هذه التكنولوجيا الحديثة والاختراعات التي تطفو على سطوح الوقت وتغمرُ كلّ ما
دونها أن تُخلّد ما يستحق البقاء حقًا. كصوتِ أحدهم وهو يقول كم اشتاق لنا، عجلات
المركبة وهي تعلن سلطتها فوق الاسفلت بسفرٍ منشودٍ للوطن، صوت الانفجار البعيد عن
المنزل – ذاك الذي أدركه واحدٌ أخير- رائحة باطن يده أو ملمسها، لون شعره، عدد
التجعيدات في مُحيّاه... الذاكرة عصيّة على سيدها كما تعلم، الأشياء التي نحيا بها
هي أول ما يتفلّت من خزائنها، كل التقنيّات الحديثة تقف عاجزةً أمام استحضار صورة
بحجم الحُب، وكأن حاجة الكون بالاستمرار تهتزّ إن أخرجناها من مخبئها، فتعاقبُنا
بتلاشٍ تدريجي مثلما ينسحبُ خيط الضوء وراء غيمة.
بيدَ أنّ لا بأس... فكل الرغباتِ والأسباب تنحني أمام إجابةٍ واحدة...
الموت.
انتشر
منذ مُدّة فيديو قصير تلتقط فيه فتاة ردود فعلِ الناس بعد أن تخبرهم بأنها تبحث عن
الأشياء الجميلة لتجمعها في مشروع التخرج خاصّتها وأن وجههم استوقفها. ردود الفعل
العفوية الممزوجة ما بين الخجل والحبور الخفيّ أو حتى سمات الثناء على التذكير،
شفاههم التي تبدأ تنحني للأعلى ببطء وأعينهم التي لا تتوقف عن الثرثرة تُجبرك على
الابتسام طوعًا للطبيعة البشرية المرتكزة على خيطٍ رفيعٍ ما بين الثقة والرأي
الاجتماعي وتنتظر دغدغةً خفيفة لتميل نحو أحد الطرفين.
لكن، وأنت تشاهد الفيديو لا بُدّ وأن تستوقفك الفتاة التي لا ترفض الاطراء وحسب بل تُهدد صاحبة المشروع بالضرب إن لم تتراجع عن اتهامات الجمال هذه. وفي الحقيقة الفتاة -بنظرةٍ ثانية وثالثة وعاشرة- لا تحمل مقومات الجمال التعجيزيّة التي وضعتها شركات المتجارة بالنساء، لكنها تملك شيئًا يخصّها وحدها، جمالًا مزدحمًا بفردانيته لكنه لسببٍ أو لآخر تشوّه في داخلها.
لكن، وأنت تشاهد الفيديو لا بُدّ وأن تستوقفك الفتاة التي لا ترفض الاطراء وحسب بل تُهدد صاحبة المشروع بالضرب إن لم تتراجع عن اتهامات الجمال هذه. وفي الحقيقة الفتاة -بنظرةٍ ثانية وثالثة وعاشرة- لا تحمل مقومات الجمال التعجيزيّة التي وضعتها شركات المتجارة بالنساء، لكنها تملك شيئًا يخصّها وحدها، جمالًا مزدحمًا بفردانيته لكنه لسببٍ أو لآخر تشوّه في داخلها.
قبل
بضع سنوات قام باحثان من جامعة شيكاجو وفيرجينيا الأمريكيتين باختبارٍ صغير؛ أخذوا
صورًا لعددٍ من الأشخاص وقاموا بصنع صورة معدّلة عن الأصلية وصورة أخرى أقل جمالًا
-إن صحّ التعبير- عنها. ثم عرضوا الصور الثلاث على المشاركين وطلبوا منهم اختيار
صورتهم الأصلية. الغالبية العظمى منهم قاموا باختيار الصورة المُعدّلة وليس صورتهم
الأصلية.
نحنُ
بطبعنا ننظرُ دائمًا لأنفسنا عبر عدساتٍ ورديّة، وليس فيما يتعلّق بالشكل الخارجي
فقط. وعلى الرغم من وجودِ هذه العدساتِ معنا فطريًا، إلا انها سهلة الخدشِ
والانكسار.
قد
تختلفُ الأسباب والأحداث والمواقف التي جعلت مرآة تلك الفتاة الذاتيّة متقرّحة
بهذا الشكل، لكن الأمر المؤكد أن التراكمات الكلامية وصراعات الظهور العلني في
مواقع التواصل تُساهم بشكلٍ كبير بصنع شرخٍ في التقييمات الذاتية. إن لم نأبه
بمكان سقوط ما نقول وما نفعل وبما تُحدِث هناك من انتهاكات قد تكون مُساهِمين
أيضًا للشعور بالزيف والنظرة الدونيّة للنفس وعدم تقدير الانجازات التي يرمي بها
أصحابها على شمّاعة الحظ أو ظنهم بأنهم يرتدون أقنعة تُخفي بشاعة ما يطمرون، ما
يُعرف علميًا باسم "متلازمة الاحتيال" (والتي تصاب بها عادة النساء
الناجحات في مجتمعاتنا- للمعلومات فقط).
ولأكون
أكثر موضوعيّةً، مواقع التواصل لم تكن سببًا لخلق فجواتٍ نفسيّة فقط، فهي أيضًا
خلقت مسارح واسعة للفكر دون أي علاقةٍ بالجسدِ الذي يحتويه والتي قد تكون داءً لما
يُسقِمُ هذا الجسد، مسارِحَ واسعة جدًا إن نتوقف عن تفريغ مقاعدها بين الحين
والآخر سنُحقق ما قاله عبقري التصميم فريد عُمارة: إن أجمل ما قد تقع عليه عين
إنسان هو إنسان آخر.
لم
يقل رجلًا أو امرأة أو وجهًا أو يدًا أو قلبًا... لم يحصر الجمال في قالبٍ ما، بل
قال ببساطة وبكل تجريد - (إنسان).
عزيزي الذي يقرأ،
قرأتُ مرةً أن أرواحنا تعرجُ إلى
أماكن مختلفة خلال النوم، وربما يكون هذا سبب المزاجات المتباينة التي نستيقظ بها
صباحًا. لكنّي أظن بأن روحي عالقة منذ ليالٍ عديدة في عُنقِ زجاجة سوداء تحتجزُ
الليل فيها، فيدور ويرتطم بجدرانها ولا يجد مساحةً خاليةً ليُفرّغ عتمته سوى بي.
منذ أن توقفتُ عن عدّ الليالي وأنا
لا أستطيعُ أن أصل لمعادلة اكتفاءٍ مع النوم، أو الكتابة، أو أي انجازٍ آخر... غير
إيجاد التبريرات وإلقامي اياها، فيصاب ذاك الصوت الداخلي الذي أتكئ عليه بالتخمة
وينام هو، ولا أفعل. رُبما تنسانا أحيانًا الملائكة حين تَدّسُ حظوظ الناس أسفلَ
الوسائد لغايةٍ في نفسها، وربما يكون هذا شماعةً إضافيّة لفضّ الثقل عن كتفي عوضًا
عن معالجته. لكنّ أرق الليلة مختلف، لم يُحدِث في جوفي أي جلبةٍ، وكأنه يهمس
بامتنان عميق: كيف سُنفرِغُ ما تحمله هذه الليلة من الأبد؟
لا أحد يُشاركك حُزنك، هم يمرون عنك
فقط، يبادلونك أطراف الحديثِ ويخيطون جوانب وجههم بسؤالٍ أو طبطبة كي لا ينسكب منه
الماء، يأسرون شيئًا من داخلك إذا ما أجبت ويتركون كفًّا ثقيلةً فوق قلبك،
ويمضون. وكي لا تزجّ بي في خانة البؤس، لا
أحد يحملُ معك فرحك أيضًا. لكنّ الفرح مخادع، يسهل الإنغماس فيه والشعور الوهميّ
بالمشاركة. بيد أن الحزن يحتاجُ قربًا فريدًا مخيفًا، ويدًا لا يشوبها شيء قادرة
على الفوزِ بقطعةٍ من قلبك وحملها دائمًا... قطعة هي مُلكُه، تضع فيها انعكاس
أثقالك، وتمضي، مُدركًا بأن ثمة من يحملها معك. ولأن هذا نسيانٌ بائس لفردانيّة
الكون، لا أحد يشاركك حُزنك.
لم تَعُد ترضيني الطبطبات، وأظن
بأنني بذلك أكون قد سلبتُ نفسي آخر حقوقي بالمواساة، ووفرتُ ضمادات الخيباتٍ
لنزيفٍ من جارحةٍ مُختَلفة. لكنّي لم أتنازل بعد عن رغبتي بتلقي الرسائل منك.
أخبرني بالله عليك، تَحت أي مُسمّى تُجبرني في كل مرةٍ على الثرثرة صاغرةً ثم
تلثمني بصمتك؟
رُبما، حين تضيقُ المسميات وأتوقف عن البحث المُلّح عن عناوين للأشياء وتُصبح الحياة قادرة على إعادة أدراجها دون مساهمةٍ مني، ربما حينها سأصفح لك هذا الصمت وسأتوقف عن إرسال ما لا طائل فيه إليك.
تُصبح على خير.



