لا زلتَ تسكنُ في الطرفِ الآخر من رأسي، ولربما الطرف الآخر من العالم، وتُجبرني على ملئ المساحات الفارغة فيما بيننا بما لا طائلَ فيه من الكلمات... يقولون بأن الرسائل هي طريقتنا البائسة لجعل أوجاعنا محور العالم، فتنتفخ كورمٍ خبيثٍ يقاوم المضادات الكيماوية قبل أن ينفجر، فنستكين بعدها الى الأبد... لكنك أكرهتني على الايمان بأن الحديث عما يجول بداخلنا يجعلها عظيمةً فقط، دون الفوزِ...
صديقي الذي يقرأ.. (استمع للاغنية المرفقة خلال قراءتك، فضلًا مِنك) ما تَحمله هذه الصفحات هي بضعُ كلماتٍ حائرة، كئيبة أحيانًا ومتفائلة في أحاين اخرى، تائهة سقطت سهوًا عن عجزِ البيتِ تبحثُ عن صدرٍ جديد يحتويها كما هي، دونَ تغيير بعضِ القطعِ لتلائم ما تُمليه عليها البيوت المنظومة والقوافي... هي بضعُ كلماتٍ كان لا بُدَ لها أن تُكتَب بدلًا من أن تختارَ سُبلًا أقسى...
تدوينتي الأولى في مدونات هفنجتون.. جرم الكِتابة ...
صديقي الذي يقرأ.. لم أُراسلك مُنذ مدةٍ لأُخبركِ بأنني كدتُ أقعُ حبًا أمام نصٍ يُشبهني، ولم أحاول ضبط موجاتك السمعيّة نحو أغنيةٍ ما تدور في رأسي كذلك.. لم أُثرثر عن طقوسي الجديدة ولم أتباكى عن مجافاةِ اللغةِ لي في أمسِ لحظاتِ الترف... ولم أحاول الاقترابَ أكثر... اختصرتُ المسافاتِ الباردة فيما بيننا بصمتٍ عاصِف واختبأتُ في داخلي، في ذاك المكانِ الضيق الوحيدِ الذي يتّسعُ...
لا أدري ماذا أُسمي الرباط الذي بيني وبين هذه المدينة، هو ليسَ حُبًا أبدًا، ولا بُغضًا، هو يملكُ روحًا وإسمًا لم تعهدهُ أي علاقة من قبل ولا تَليقُ به المسميات العادية التي يَستعملها الجميعُ في وصف علاقاتهم. فكيف لمن كانت تَجزِمُ بأن قدمها لن تطأ هذه المدينة طلبًا للعلم أبدًا قد ساقتها الأقدارُ مُرغمةً لكنفٍ يلفظها منه وتلفظه هي بدورها من رحمِ الرغبة...
يَـا رَب، إقسم لي مِن الحُروفِ ما يَكفي، لأعرفك.. لأعرفَ عظيمَ ضألتي، ووِسعَ عَظمتك.. آتني الحروفَ كلها؛ لأراكَ فيها، لأرى معجزاتٍ منسيّة.. وقطعُ عَدنٍ في داخلنا مهجورة.. آتني، يا رب، حروفًا؛ لأشكركَ فيها.. ولأمسحَ على قلبٍ هائمٍ، باسمكَ اللهم.. يطمئنُ، ويستَكين.. ...
بعضُ الأشياء التي تدخل حياتنا تملكُ تاريخَ نفاذِ صلاحيّة.. مدموغٌ بخطٍ عريض على جبهتها.. ولا يهم حقًا ان دخلتها بعد دراسةٍ وإحاطة لكل جوانبها او محضَ صُدفةٍ قدريّة.. نحنُ، ومنذ البداية، نعلَمُ أن ما تكنّه لنا بجعبتها في نُقصانٍ مُستمر.. فإن كانت تحملُ لنا ألمًا، وجدنا تاريخها يلوحُ لنا كلما أصرفنا فيها النظر، فيُربتُ على أكتافِ أحزاننا لنَصبِر.. لكن الفاجعة الحقيقيّة إن استطاعت...
- المشكلة في الحقنات المهدئة التي تمنحنا اياها الحياة بين حينٍ والاخر، كالنوم مثلًا او اغنية تأخذك الى عالمٍ موازٍ أو رسالة طويلة من صديق، ليس في كونها آفِله، إنما بتضاعف جرعة الألم حين نُشفى من اثرها ونعود لمواجهة كل ما حاولنا الهروب منه. تجتاحني رغبةً شديدة بالانعزالِ عن العالم، بدءًا بالافتراضي الذي يخنقكك بزيفه من كل جانب، وانتهاءً بالواقعي البائس الذي لا...
صَديقي الذي يقرأ، سألني احدهم من مدة أن أُرسل له نصًا قمتُ بكتابته ولم أنشره على الملأ، أرادَ أن يقرأني حقيقيّة دون المساحيق الواقية التي نَطلي بها نصوصنا قبل عرضها للنور. راجعتُ ملفاتي حبيسةَ الظلام كلها والتي لم تشهد منذ ولادتها الالكترونية نورًا غيرَ ذاك الباهت في جوفَ عينيّ حين تُطالعها، والمضحك بالأمر أنني شعرتُ وكأن كهلًا مُثقل الفؤاد يستوطن في داخلي ويسكب...
عادةً، عجزي عن البدء في الكتابة يتناسب مع ما احتل ميناء الحرفِ هذه المرة مساحةً في القلب. لكن، الأمر مختلفٌ الآن.. فكيفَ لي أن اخاطبك بمقاييس هذا العالم وفيكَ تَصُبّ الموانئ كلها؟ رحتُ أستمعُ لاغنياتٍ عن الأُم، وانتقل بين واحدةٍ تلو الأخرى، وأنصتُ بحبٍ اكبر كلما عُزفتَ على مسامعي اغنية أعلم أنك تُحبينها علّها تُلهمني ولو بكلمةٍ واحدة ابدأ فيها حديثي معك، لكنني...
الكثيرُ من الدراسةِ ينتظرني هذه الليلة. المادة التي سأُمتَحنُ بها بعدَ أيامٍ قريبةٌ لذائقتي بشكلٍ مُزعج، قريبةٌ لدرجة النفور. قريبةٌ بشكل مؤلم! شيءٌ ما في داخلي يمنعني من التركيز فيها، رغم كل محاولاتي لحقن روحي بالمهدئات عساها تستكين وتهدأ قليلًا.. لأتمكن من الدراسة. في الخلفية تُردد كارمن على مسامعي: "سَفرني ع أي بلد، وإتركني وإنساني..." أنظرُ لكل الأشياء من حولي التي تُحاول حثّي...
أهديتني معزوفةً لـ "روب كوستو".. وأخبرتني ان أترك كل ما يُشغلني وأستمع اليها بحواسي التي أعي بوجودها والتي لم أكتشفها بعد..أخبرتني أن الموسيقى تخترقُ الجسد وتستقرُ في القلوبِ المثقوبة لترأبها..الموسيقى إكسيرٌ للقلوب الكسيرة..نفذتُ وصاياك كُلها، كمريضةٍ مُطيعة تحملُ في داخلها مضغةً نحو طبيبها المُعالج...لكن الكائن بحجم القبضة في داخلي لا يزال يئن..لم تكفه النوتات الموسيقية ولا كلماتك التي تتردد كالصدى بين جوارحي لرَقَي...
صَديقي الذي يقرأ، ألا زلتَ تَذكُرني؟ مرّ الكثيرُ من الوقتِ مُنذ رسالتي الأخيرة لك.. أنت تعلم جيدًا بأن رسائلي اليكَ لا تنضجُ الا حينَ تمتلئ حدّ اليأس. تأخرتُ في الارسالِ لك ليسَ لأنني لم أملك ما احادثك به طوال الفترةِ الفائتة، بل لأنني كنت شديدة الهروبِ من حديثِ ذاتٍ لا أقوى على الشعورِ بأي شيء من بعده. لكن بقيتُ احشو روحي بالقُطنِ لكي...
سأبحثُ عن كُلِ ما يجمعنا.. أنا وأنت.. معًا.. ورقةً بين دفتي كتاب.. أو نَصُ قصيدةٍ.. أو حتى كلمة واحدة مُنفردة.. وسأمزقها! سأبحثُ عن كُلِ ما يجمعنا.. ويؤرقني.. أنا، بِلا أنت.. رشفةُ قهوةٍ من فنجانٍ حُفِرَ في قاعِه اسمك.. ورائحتها، تتعارك وعِطرك على أنفاسي.. سأستنشقها.. وأختنق.. وأسعل بِك، وبها، خارجًا.. سأبحثُ عن كل ما يَجمعنا.. ويؤلمني.. أنا، بسببك انت.. أغنية قد أهديتها لي... موسيقى...