عزيزي الذي يقرأ،
هذه أيام لن يذكرها أحد. سنذكر بالطبع أنّنا توقفنا
عن العمل لكننا سننسى الضغوطات النفسيّة التي لم تتوقف للحظة عن الرقص فوق صدورنا.
سنذكر أنّنا ابتعدنا جسديًا وحاولنا، ربما، أن نكون حاضرين بطرق أخرى، بيد أنّنا سننسى
ساعات جلد الذات المتواصلة واستئصال العلاقات كورم خبيث متوطّن نعي خطورته لكنّه
معاناتنا المدللة التي نعود إليها بحثًا عن معنى بعد كل نكسة. سنذكر أنّ شوارعنا
المفضلة في حيفا أوسع مما نظن وسننسى كيف تضيق حين نسير بها وحدنا. سنذكر قائمة
المسلسلات والأفلام المنكمشة بفعل هذا الوقت الهائل، وسننسى انكماشنا خلفها هربًا
من هاجس الإنجاز الذي يتغذى على مناطقنا الرماديّة فتحول ثقبًا أسود لا قاع له. سأذكر،
عزيزي، كل الميمز المضحكة التي شاركتك إياها، وسأنسى كل المرات التي احتجت أن
أحكيلك ع الي بقلبي وأقولك ع الي سهّرني وأقولك ع الي بكّاني لكنّي تمنّعت. نحن لا
نذكر كيف ومتى تحوّل تصرف ما لعادة نتناولها تلقائيًا من المخ الأصغر دون مساءلة،
التمنّع عندي كركوب الدراجة، أفعله وحسب، لا أستطيع تفسير العمليّة ولا تفسير شعور
التوازن، لكنّي أعلم أنّ سلسلة الدراجة تحول بيني وبين الانحطام. وأظنّ أنّ سلسلة
التمنّع عندي مهترئة. أستطيع أن أصف لك النهاية.
بس بدي أقولك يا عُلا يا حبيبتي وأذكرك كمان مرة إنّه المشكلة مشكلة توقعات... انت بتحطي توقعات للناس وهم بيوافوهاش... المشكلة مش منهم، المشكلة منك إنت، وجهي شعور الخيبة الي حاسستيه تجاه الأشخاص لنفسك انت... ماشي؟
واسمعي موسيقى كثير، الموسيقى بتخيّبش.
واسمعي موسيقى كثير، الموسيقى بتخيّبش.
عزيزي الذي يقرأ،
أحاول أن أكمل المقالة عن حيفا. اكمالها هو انتصاري
الصغير لهذه الفترة. وبينما أحاول استجماع آلياتي النفسيّة كلّها غنّى لي محمد
محسن: "سهّرني عليك سهّرني معاك" فاستوقفني. لا أحتاج لأي قوّة داخليّة
أو خارجيّة لأسهر عليك خوفًا أو أسهر معك إن احتجت، حتى وأنا في قيامة وجعي، أكدّسه
كله في زاوية معتمة في القلب وأترك البقية لك. لكنّي، بعكس الأغنية، أخاف من هجرك،
فأستبق الألم بهجرة مزمنة. هاك، اعترفت.
أشعرتَ مرة أنّك عالق في المسافة اللانهائية بين
لحظتين؟ لستَ جزءًا من الوجود، ولستَ عدمًا. أنت فقط تقف هناك كلوحة حائط جميلة،
قد تكون starry night إن
حالفك الحظ، تراقب كل شيء، ترى حياتك كلّها تمرّ كشريط سينمائي مهترئ، تمرر أصابعك
فوق الخدوش متأكدًا من تركيبة المرهم، لكنّك لا تستطيع التدخّل. أنت هامش، لا تعرف
سوى النظريات، أنت جميل من الخارج، أنت تجيدُ تزيين الخارج، لكن الداخل ليس
اختصاصك. أنت متيقن من هذا. تُجلد بهذه الحقيقة كل يوم.
"انا لا تمنيت ولا قلت يا ريت، ولا بعدك عني
جعلني سليت..." صورة الحائط الجميلة لا تنسى. تُعيد ترتيب الأحداث في ذاكرتها
كل صباح وتُفسح مكانًا للجديدة. لكنّها تتمنى، وهي معلّقة كمصباح منسيّ في مؤخرة
شجرة العيد، أن لا يمر وقت ثقيل قبل أن يعي أحدهم قيمتها. هي كما قلت لك لا تتفلت
منها الأحداث العابرة، لكنّها تُزاحمها في معرفة نفسها. لكن المؤكد أنّ أمنية
واحدة، مهما اكتظت فيها الذاكرة، ستبقى عالقة..."أنا أملي في حبّك هو الحبّ".
ألم أقل لك أنّي أمتهن النظريات فقط؟
قلبي بوجعني، ومش عارفة كيف أتخلص من الوجع. مش عارفة أركّز بشي واحد ولا أحكي مع حدا... جربت، جربت أحكي بس باخذش الجواب الي يحط ضمادة صغيرة ع قلبي. والسماع لحاله بكفيش، والناس كلها تعبانة وأنا ممكن أكون زخمة، بعرف، وممكن معرفش أفسّر قديش بثقّل ع غيري، بس وثقلي أنا مين بفكر فيه؟
قلبي ضيّق وبوجعني. وأنا وحيدة. مش متذكرة وينتا آخر مرة حسيت إني لحالي بهاي الطريقة، بهاي الوحشية، بهاي البرودة.
شعور الـon hold كان مكبّلني كل هاي السنة، الضبابيّة المخيفة الي مستقبلي ملفوف فيها كان مرعبني، بس كنت عارفة أسكّت الرعب بالمهام اليوميّة، بالشغل، بالساحة، بغيري... أنا بسكّت وجعي بإنّي أسمع وجع غيري... طب واليوم شو؟ العالم برا كله on hold وصحّى أشباحي الجوانيّة النايمة... المخدّرة.
دايمًا برجع لهاد المكان لما بفقد سيطرتي ع شعوري وع تعبيري، لما بحس إنّي سايلة ومش عارفة كيف أوقّق هاي السيولة، فبقرر أخليني أنهمر هون، وأنا عندي رغبة خفيّة بإنّه في حدا بقرا... ليش؟ لأنّي بديش أظل لحالي.
قلبي ضيّق وبوجعني. وأنا وحيدة. مش متذكرة وينتا آخر مرة حسيت إني لحالي بهاي الطريقة، بهاي الوحشية، بهاي البرودة.
شعور الـon hold كان مكبّلني كل هاي السنة، الضبابيّة المخيفة الي مستقبلي ملفوف فيها كان مرعبني، بس كنت عارفة أسكّت الرعب بالمهام اليوميّة، بالشغل، بالساحة، بغيري... أنا بسكّت وجعي بإنّي أسمع وجع غيري... طب واليوم شو؟ العالم برا كله on hold وصحّى أشباحي الجوانيّة النايمة... المخدّرة.
دايمًا برجع لهاد المكان لما بفقد سيطرتي ع شعوري وع تعبيري، لما بحس إنّي سايلة ومش عارفة كيف أوقّق هاي السيولة، فبقرر أخليني أنهمر هون، وأنا عندي رغبة خفيّة بإنّه في حدا بقرا... ليش؟ لأنّي بديش أظل لحالي.
عزيزي الذي يقرأ،
أنا تعبانة. حتى النقطة، يشيرُ عدّاد الكلمات لاستخدامي
خمس كلمات، ثلاث كلمات موجّهة إليك وكلمة وحيدة تصف حالي. تعبانة. اثنان وعشرون
كلمة. يبلغ حجري اليوم ثلاثة أسابيع، الفكرة المضحكة المتهمة بالمبالغة\ العطلة
المباغتة\ وهم موجز النفس آخذ بالتضخم والانفلات شيئًا فشيئًا من قبضتي. وأنا، كما
تعلم، مصابة بفرط السيطرة وهذه العوارض بتعملّيش منيح. هذه العوارض، إن كان ولا
بدّ لي من الاعتراف، تنكأ أشباحي النائمة وأنا لم أكتنز ما يكفي من حقنات التخدير.
أشباحي هذه تخيفني أكثر من فيروس يتسلل للرئتين ويعيث بمن أحب خرابًا. ثمانية
وثمانون كلمة. هذه أطول فقرة أكتبها في الأسبوعين الفائتين، لكنّها أقصر من وقت
تنقلي السريع بين حقبات حيفا محاولة استخراج نص واحد يحاول أن يطأ أول خطوة في
تاريخها. حيفا، اشتقتلها... أو يمكن اشتقت الي؟ بس أنا بعرفنيش، دعنا نترك هذا الباب
موصودًا في الذهن، نازفًا في القلب. كيفك انت؟
في الفترة الأخيرة أنا منشغلة بالبحث عن معنى لكل
شيء، لأي شيء، بالبحث عن سبب حاجتي للقشّة عوضًا عن الغرق. يقول فيكتور
فرانكل أنّ الإنسان يبدأ بتغيير نفسه حين يفقد القدرة على تغيير وضعه. وأنا الفاقدة
لأي خيط من السيطرة أحاول تشذيب نفسي بالمعنى.
قبل بضع سنوات بدأتُ في محاولة كتابة رواية\ قصة\ سلسلة
رسائل تحت عنوان "ولي فيها ذكريات". بدأت بكتابتها بعد انتقالي من حيفا
للمرة الأولى. لا أعلم أي درجٍ من أي قرص ذاكرة يحتفظ بالـ"رواية" حتى
اليوم لكنّي أعلم أنّي لم أدرك من قبل أنّ "فيها" تعود لحيفا، رغم أنّ أحداثها دارت في فلكِ آخر.
يراودني هذا الرابط كثيرًا. خصوصًا وأن حيفا، مسقط
القلب ومنزله الأول، تلفظني هذه الفترة شيئًا فشيئًا. ربما هنالك يد خفيّة تعبث في
الحبال وراء الكواليس، وربما هذا ما أود اكتشافه بدلًا من المعرفة الجافة أنّ الحياة
ببساطة مجحفة ولا تقدّم لنا الرغبات على طبق من فضة ولا تجنّد نفسها من أجلنا إن أردنا
حصول شيء ما بقوّة كافية. لا بأس.
قبل أسبوع ذهبت مع نداء لزيارة بستان الخيّاط. بستان
أخضر رحب ترى فيه آثار منتجع سياحيّ لم يُسمح له بالولادة والنشوء. يختبئ البستان
بين أحضان الكرمل الحزين الذي لم تُترَك فيه مساحة واحدة لم يعبث بها الجلّاد. بستان الخياط الذي كان ملكًا لعزيز الخياط بوطاجي هو آخر مورد طبيعي لم يتدخل فيه الاحتلال ولا زال أهله يحاربون محاولات تهجيرهم من المكان وتحويله لمقبرة للحارات اليهوديّة المجاورة. يذكرني
هذا البستان في كلّ مرة أزوره أنّ حيفا أيضًا محتلّة ولا زالت فلسطينيّة عربيّة رغم
كل الأقنعة التي تعتليها. لكن هذه المرة زيارتي له كانت بمثابة وداع غير مهيئ.
سألتني أخصائيتي النفسيّة إن كُنت أحب هذا المكان
لاعتقادي بأنّه يشبهني؛ آخر قوّة مقاومة رغم كل المحاولات الخارجيّة لارضاخه. لا أعلم
إن كنت كذلك. أود الاعتقاد أنّي مقاوِمة لكنّي أشعر بالاستسلام. أقف كل مرة
أمام هذا الباردوكس، عقلي وقلبي، كلّ منهما يغني في وادٍ بعيد جدًا عن
الآخر. شقّان متكاملان يقاومان انشطارهما، تمامًا مثلما تقاوم حيفا اكتمالها. كلا الأمرين مؤلم.
هل تحلّ العلاقة العاطفيّة كل المشكلات الحياتيّة أم
هي حقنة تخدير مؤقتة؟
لي صديقة لم تتح لها الفرص خوض التجارب التي رغبتها،
التي ظنّت أنّها تستحقها، كانت حزينة جدًا حتى تعرّفت على من هو زوجها اليوم.
أحلامها ورغباتها لم تُحقق، وجهتها الحاليّة بعيدة جدًا عمّا كان يؤرقها، لكنّها
سعيدة. لماذا نجعل من الحبّ شماعة لكل شيء؟ ألّا نعلم أنّ الشمّاعة -مهما كانت
عريضة- مصيرها الانكسار؟
I had something amazing and
confusing happening for me today. And usually you’re the first one I talk to about these kinds of stuff, you’re the first name that pops into my head
when I need a consult about this kind of a matter, but today I just couldn’t.
You’re one of the biggest disappointments
in my life. I should be mad at myself for putting such high expectations on
you, but you allowed it. I’m mad at you. I’m mad and disappointed and sad. I’m
mad and I even feel more alone than I usually do, if that’s even possible.
لا أعرفُ كيف أكتب عن أحدٍ غيري، كلّ الذين راسلتهم
-لا يقوون على ملئ كفّ اليد الواحدة- حدثتهم بطريقة أو بأخرى عني. أليس هذا ما نفعله؟
نحنُ سكان هذه الأرض العالقون، نبحثُ عن زر النهاية بالدوران حول أنفسنا. لكنّك
أنت خارج هذه الخوارزميّة، أخبريني، كيف أُعتق منها في حضورك؟ كيف أصيرُكِ؟ مشعل
دائم في آخر الرأس يحفرُ بابًا في كل نفق. صوت دافئ يُشيّد جدران الروح بعد
انهيارها. يدان بيضاوتان تعيدان ترتيب رفوف القلب وتجدان في كلّ مرة ضآلّة. كيف أصيرُك؟ كيف أصير كتفًا يتكئ عليها العالم، تتقرح،
تهترئ، ولا يهتز؟ كيف أصيرُ قهرًا يركعُ عند قدميه الألم؟ كيف أصيرُ صلاةً تصل
عتبة السماء بجلدٍ دامٍ وتعود ملتئمة؟
كيف أصير كل هذا، كل أنت، كلّك، كيف أصيرُ حشدًا وأنا
واحدة؟ أنت يا أمي حشدٌ وأنا وحيدة... وحيدة إلّا من دُعائك.