أحب حيفا. أقراص دائمة من الدواء ودروس في الوحدة.
هل جربت مرّة الجلوس وحدك في مقهى؟ خطيئتي المقدسة في الفترة الأخيرة. خطوات
الشرك الأولى بإله الوحدة الأعظم، القشّة اللعينة التي لم يستطع بكل جبروته أن
يقاومها، فاعتلته وعلته ثم كسرت ظهره.
عالمٌ متداخل من الناس يولد في كل لحظة على بُعد خطوةٍ
من الطاولة. عالمٌ كامل من الناس يصطدم بأضلعي غبارًا، لا أعرف كيف يصير الناس
غبارًا وكيف يكون للغبار الاف الأقدام الصغيرة تدق العظام مع كل خطوة، ثم تلتئم
فيها. أليسَ عليّ أن أكون ريحًا أولًا لأحمل غبار؟ وأنا لستُ ريحًا ولا هواءً ولا
ذرة أوكسجين عزلاء. أنا وعاء أجوف ثقيل على طرف الطاولة ينسكب فيه من المارّة
النهار.
وديع سعادة يقول أنّ العابرين سريعًا جميلون لأنّهم لا
يقترفون الإقامة، كملاكٍ مهاجر دون خطيئة. هم جميلون لأنّهم لا يتركون خلفهم غبار، ولو
تركوه يكون خفيفًا زائلًا لا يحتلّ منك شيء.
طوبى للزائلين.
Artwork by: Mahmoud Soliman
artwork by Karolis Strautniekas
كان عليها ألّا تترك
قلبها في مكان ورأسها في مكان آخر،
كان عليها أن تختار
اسمًا،
أن تختار شكلًا
وأن تخترع طريق.
لا أحد يأبه بالأقدام
المتدلية فوق غيمة،
يحسبونها ظلال.
بينما في الحقيقة كانت هي، هي.
بلا اسمٍ
ولا شكلٍ
ولا طريق.
تنتظرُ وعدًا من
الريح يجعل أقدامها المطر.
نادت بمفردات الماء
كلها
من فوق الأرض،
لكن، لم تحل مطرًا.
لا أحد يأبه بالأقدام
المتدلية فوق غيمة
يريدون البلل.
ممتنة لأصدقاء الليل الطويل الذين يأتون على غفلة منك، يضعون كلامهم كالترياق البارد فوق القلب ثم يمضون.
Artwork by: fredericforest.com
هل هنالك علاقة بين الرغبة الشديدة والركود؟ علاقتها
عندي يتوسطها الخوف؛ كلما ازدادت رغبتي في شيء ما تفاقم خوفي منه \ من عدمه \ من
حقيقته وبالتالي يعتنقني الركود.
ينتظرني بعد شهر تقريبًا اختبارٌ مهم جدًا، العتبة
الأولى في الفصل المؤجل من حياتي... أو الهوّة. لكن كلما اشتد ساعد الوقت تناولتُ جرعة
مسكرةٍ جديدة من الركود. جربتُ كل ما يجربه الناس ليصحوا، لكنّي فشلت. أنا ثملة،
ثملة حتى آخر خلية في جسدي ولا قدرة لي على الاستيقاظ.
هناك نظرية في علم النفس الاجتماعي تنصّ على تشارك المسؤولية
بصمت، دون النطق بذلك. كأنّ تكون بين حشدٍ من الناس فيقع أحدهم فجأة، أنت تريد مد
يد المساعدة، لكن وجودك بين أناس آخرين شهدوا معك ذات الحدث يخفف عن كاهلك الحاجة
بالعمل، هنالك مستوى ما في اللاوعي يخبرك أنّ غيرك سيساعد فلا داعي لأن توكّل نفسك هذه المهمة. أشعر أنّ الخلايا في جسدي تتشارك مسؤولية إيقاظي، تقف كلّها مشدوهة
على أطراف أصابعها، لكن ما من أحد لينكأ الجدران.
حدثتني صديقتي قبل يومين عن تعثرها بخيبة جديدة. المختلف هذه
المرّة، على حدّ قولها، أنّها ارتطمت بالأرض بقوّة وتشكّ في قدرتها على الوقوف. شعرتُ
لوهلة أنّها مستسلمة لهذا الشعور ولا تنوي مجابهته. التصاقنا بالأرض بعد أن
أوقعتنا خيبة ما أسهل مئة مرة من محاربة الجاذبية في قيامة الوجع. أحاول ألّا
أقارن قيامة أحدٍ بأحدٍ، لكن المشترك المؤكد أنّه ما من أحدٍ يكبح جماح قيامته لينتشلك،
ما من أحدٍ يتوقف في محاذاة الطريق ليرى من ذا المستلقي عليها. الجميعُ يمرّ عنك. الوقوف
مجددًا هو مهمتك أنت، مهمتك التي لا تعني لغيرك شيء مهما ادعى عكس ذلك.
لماذا يصعب عليّ القاء هذا الخطاب من الداخل؟ لماذا يسهل
عليّ خياطة أوجاع الآخرين بينما أطرافي مفتّقة؟
ألّح عليّ أحدهم هذا الصباح أن أكلمه هاتفيًا بعد رفضٍ
دام طويلًا. أسمعني كليشيهات العيد كلّها وحاول إضحاكي بكل ما أتاحت له السُبل.
أنهى المحادثة بعد أن قال لي: أنتِ خُرافيّة.
ابتسمت. وأبتسم الآن وأنا أكتب هذا السطر، لكنّي عاجزة
عن تذكر سبب قوله.
لا بأس.
عيدٌ غير بائس يا عُلا.
-
أنا قطبان متنازعان لا وسط بينها، لا أعرف كيف يكون المرء
وسطيًا في شعوره، كيف لا يعتنق الخير بكل جوارحه أو يتشظى حتى آخر خلية في جسده.
لا أعرف كيف يحتاج المرء لأكثر من فقدان اهتمام ليتجاوز غيره. لا أعرف كيف يمر
يومه غير طافحٍ ولا فارغ، وسطيّ المعايير غير مبالغٍ في ترفه وحزنه ووحدته
وامتلاءه.
-
هنالك غيمة سوداء مفرغة من الـ "غدًا يوم
جديد" تطوف حول عنقي.
متى ينتهي هذا الأبد، يا ربّ الأبد؟
لم أكتب حرفًا واحدًا
بعد رسالتي الأخيرة لستي.
كنتُ أظنَ أن الكتابة
هي المتنفس، الرئة الثالثة والوحيدة، الشق اللانهائي وسط هذا الاختناق. لكن يبدو
أننّا معجونون من آليات نفسيّة تهوى المبالغة فالمكابرة فالتخطي. بمقدور كل
الأشياء المهمة التخلي عنّا، ونحن بالمقابل ننتقم منها بالتخطي.
لم أكتب حرفًا واحدًا
بعد رسالتي الأخيرة لستي، ليس لأنّ شيئًا لم يحدث، بل لأنّي فقدتُ القدرة على
التمييز أأكتب للكتابة أم لحاجة في التفريغ؟ لماذا هذا الاهتمام الثقيل بجعل الوجع
مكتوبًا بأبلغ صورة ممكنة؟ أحب اللغة والمفردات والاستعارات التي تجعلك تتحسس جلدك
ينصهر فوق الحروف ويعاد تشكيله. أحب اللغة والمفردات والاستعارات وما تصنعه من شده
في القلب وربطٍ في اللسان. لكنها حين أصبحت الهدف اعتزلتني.
لا بأس...
صديقي يقول بأنّ الأشياء
لا تصالحنا بالانتظار، علينا السعي نحوها وإن أسقطتنا أرضًا نزحف باتجاهها بقدر
أهميتها.
وها أنا الآن أعلن
بدأ الزحف باتجاه اللغة لتطويعها وسيلةً... وسيلةً لا هدف.
"يا رب تشتي..."
ثم أصمت...
أنتِ أمامي الآن، تجلسين على سريرك، كعادتك، تطوين بين أصابعك
كيسًا فارغًا، يُعانِد مصيره بالانكماش، تَبسُطينه، ثم تعودين لتشكيله من جديد...
أحاول الغناء مجددًا... "يا رب تشتي..." أنتِ تُحبين
الشتاء رغم ما يفرضُه عليكِ من منع تجوال، لكنّه يُكاسِرُ عنادنا أمام الانكماش،
ويغلب. نعود راغبين إعادة تشكيلٍ إليكِ...
"يا رب تشتي...
وأروح عند ستي..."
أنحني أمام اللفظ الأخير، أمسحُ فوق قلبي ثم أسقط. ضوضاء العالم
في داخلي تستكين... أتعلمين أنّ السين والتاء حرفان مهموسان؟ يخرجان من الفم دون
جهد، دون إحداث أيّ جلبة ويستقران في المدامع. حرفان دافئان برائحة المطر، يبدأن
بمتكئ ويؤولان لمتكئ. وبين هذا وذاك يذوب الكون كله، يتوقف عن الدورانِ ويطفئ
شاشاته العازلة، يعود أدراجه لأصله، مسبحة سمراء تذكرين بعدد حبّاتها الرب إناءَ
كلّ صلاة.
"يا ربِّ تشتي... وأروح عند ستي...
تعملي فتّة..."
ما طعمُ السماء اليوم؟ أتساءل... فتّة كاللتي تتناولينها صباحًا
مغمورةً بالشاي. أو فلتكن قرص دواءٍ سرمديّ يغنيكِ عن كثير العلب المختبئة تحت
الوسادة، تبلعين العشرات منها كل يومٍ. تبلعين الألم. أما أنا، فأبلعُ الحُزن. لكنّ
جسدي أضعف من مهاجمته، يطرقُ جدران معدتي بشدّة، يُخضِعُ كريات الدم البيضاء، بضعه
ينصهر تحت الجلدِ وبضعه يحول العين ماءً، يحفرُ ببطءٍ دربًا يمشيه القلب بقدمين
داميتين بعد أن ارتضاكِ من اليوم قِبلته، يهرول نحوك ويشيب.
طعم السماء اليوم كالأرضِ الرحبة التي خلقتها بداخلنا، بذرة
التمرّد الأولى؛ "هو ماله فيّ أبوتش؟ خذيهن وتقوليلوش". طعمٌ ينفجرُ من
أعماقِ الروح كالزعتر الأخضر والخبيزة والسبانخ. طعمُها اليوم أصفر، مسلي الفستق
الذي تُحبين، ثلاثة أكياس يتيمة شُرّع لها النوم بمحاذاتك وحالت بيننا لعنتي
الدهريّة؛ البكاء والوقت.
البكاءُ وجهتي الجديدة، المتنفس، أقول في سري بينما يضيقُ عليكِ
نَفَسُك. لا أدري ما الحكمة التي سنُحقَنُ بها جرّاء السؤالِ لماذا لم يكن نفسك
الأخير في بيتك، مثلما رغبتِ، عزاؤنا ربما في جمال وجهك حين غادرتيه نحو النور،
عزاؤنا البكاء، كانت تُحبكم فابكوها، قالتها سويداء قلبك، رفيقتك، ابنتك الوحيدة
وهي تهجو تراكيب اللغة المتقرّحة في كلمة "كانت". أتعلمين أنها تُشبهك؟
أنظرُ إليها فأراكِ... حتى في فاجعتنا بك تركت قطعةً نمسحُ بها خطايانا.
"يا رب تشتي... وأروح عند ستي... تعملي فتّة...
أكلها وأنام..."
قلتِ بأنّي أدرسُ كثيرًا وأنام، "بس تصحى بتيجي
عندي..."، جئتك أجدد البيعة، يدي قصيرة، يدك جميلة وبيننا مسافة طويلة من
النوم.
تنظرين في حافة الموت المحاذية، "لو تعطيني شويّة نوم"،
ليتك لم تأخذيه كلّه يا ستي...
ليتك لم تأخذيه.
أين تذهب الأمنيات الصغيرة التي تنفلتُ بين كلماتنا المدروسة
والمصفوفة كالحصن جنبًا إلى جنب؟ أيعقل بأنها تتسلل للسماء في ظلّ النهار وتبقى
معلّقة هناك إلى أن تدق الساعة الثانية عشر بعد منتصف الليل فتحول شهبًا؟
هنالك أمنيات بيضاء هلاميّة، تسقط في الفجوات التي يُحدثها غياب الأشياء وتتخذ صورتها في محاولة خبيثة لصدّ الحنين.
وهنالك أمنيات سوداء، تتساقط كالنيازك التي تحملُ للأرض ضغينة عمرها ما لا نستطيع عدّه من السنين، تحرق بوابات الذاكرة وتستبدلها بمرآة صمّاء مقعرة لا تعكسُ إلا النيران.
هنالك أمنيات بيضاء هلاميّة، تسقط في الفجوات التي يُحدثها غياب الأشياء وتتخذ صورتها في محاولة خبيثة لصدّ الحنين.
وهنالك أمنيات سوداء، تتساقط كالنيازك التي تحملُ للأرض ضغينة عمرها ما لا نستطيع عدّه من السنين، تحرق بوابات الذاكرة وتستبدلها بمرآة صمّاء مقعرة لا تعكسُ إلا النيران.
هنالك أيضًا أمنية رماديّة واحدة، تصل طرف السماء بجبهتنا ولا تبوح بشيء... إلّا بأنّ لا بأس.




