صديقي
الذي يقرأ..
لم
أُراسلك مُنذ مدةٍ لأُخبركِ بأنني كدتُ أقعُ حبًا أمام نصٍ يُشبهني، ولم أحاول ضبط
موجاتك السمعيّة نحو أغنيةٍ ما تدور في رأسي كذلك..
لم
أُثرثر عن طقوسي الجديدة ولم أتباكى عن مجافاةِ اللغةِ لي في أمسِ لحظاتِ الترف...
ولم
أحاول الاقترابَ أكثر...
اختصرتُ المسافاتِ الباردة فيما بيننا بصمتٍ عاصِف واختبأتُ في
داخلي، في ذاك المكانِ الضيق الوحيدِ الذي يتّسعُ لي الآن...
لكن المسافة عاجزة عن إصلاحِ أي شيء...
قد
لا تَعي ذلك الآن، لكنني وعدتُ نفسي حينَ بدأتُ بالكتابة أن أنهي هذه الرسالةِ قبل
أن تُقنعني الأفكارُ المتشردةُ في رأسي بحشدِ الارشيف بملفٍ إضافيّ، ثُم بُحت لكَ
بالوعدِ لكنّي لا أظنك قد سمعت...
ولا
بأسَ بذلك...
بعضُ
الوعودِ تحملُ من الثقلِ ما لا يمكن الوفاءِ به رغم حاجتنا الملحّة اليه، وفي اندثارها
عتقٌ ورحمة.
لكنّي
اليوم كفرتُ بالبدايات المحكّمة وأعلنتُ الولاءَ للنهايات...
أردتُ
أن أجرب شعورَ الانتماء لشيءٍ ما، ولو كان قُصاصة ورقٍ منثورة، أردتُ أن أعرفَ
كيفَ تبني فِكرةٌ واحدة من القاعِ بوابةً للسماء تَرتقي بمعتنقها من بينَ ركامه.
فربما
إن أتممتُ رسالتي هذه يُغفَرُ لي.
أود
الانسلاخَ عن ذاكرتي، أن أغسلَ عنها غُبار ما مضى وأن أراه يقطر بين يديّ دمعًا
وألمًا... أوّد أن اعتصرها وأتركها للشمسِ لتجفَّ أو تحترق، لا فرقَ لديّ... المهم
عِندي أن تتوقف عن لكزي بأحداثها كُلما مررتُ عن شغفٍ ميتٍ في محاولةٍ بائسة
لإعادة احيائه...
المهم
عندي أن تتخلصَ من عوالِق الفرحِ السابق، وأن تذعن هيَ أيضًا للنهايات...
وجهي
السابق سيمرُ أمامي كثيرًا، أنا مُدركةٌ لذاك، وربما لن أتكهن حقيقته حينها، لكنّ
الحنين سيطلبُ مني أن أتوقف قليلًا حينَ أراه...
قد
لا أتذكر ملامحي برمتها...
ولا
أسبابُ الأرقِ المستوطنة تحتَ عيني، كابتعادِ الفاصلةِ شطرًا عن أسيادها...
قد
أعجزُ عن فكِّ شيفرةِ رائحةٍ ممزوجة بلحنِ عتيق رُفِعَ في حضورها الحاجب...
وربما
سأنسى المعادلاتِ العصيّة التي زُجّت بها مشاعري...
ولن
أحسدَ نساءَ القصائدِ بعد الآن..
لكن
الأمر المؤكد هو أنه سيكفيني أن أجدَ بعضًا مني لأبتسم.
لا
أدري ماذا أُسمي الرباط الذي بيني وبين هذه المدينة، هو ليسَ حُبًا أبدًا، ولا
بُغضًا، هو يملكُ روحًا وإسمًا لم تعهدهُ أي علاقة من قبل ولا تَليقُ به المسميات
العادية التي يَستعملها الجميعُ في وصف علاقاتهم.
فكيف
لمن كانت تَجزِمُ بأن قدمها لن تطأ هذه المدينة طلبًا للعلم أبدًا قد ساقتها
الأقدارُ مُرغمةً لكنفٍ يلفظها منه وتلفظه هي بدورها من رحمِ الرغبة أن تُطلق على
رباطها به اسمًا عاديًا؟ فلتسقطُ كل العناوين لأجلك يا مدينة الصلاة.
--
هذه
المقدمة تبلغُ من العمرِ نصف سنةِ من التعب، كعمر بداية تداعي الخيوط الاخيرة في علاقتي
بهذه المدينة. لم أقوَ على إكمال النص في حينها، وبقي وحيدًا مبتور النهاية الى
اليوم.
اليوم
كانت زيارتي للقدس مختلفة.. مختلفة جدًا.. تحاشيت هذا اليوم كثيرًا في محاولةٍ
ذليلة لتأجيل نوبات الألم الذي تستنزفه مني هذه المدينة. ولكنها، وكعادتها اللئيمة
معي، لم تترك فرصةً لكسرِ توقعاتي منها إلا وانتهزتها.
اليوم،
دخلتُ اليها مجردّة من أي شعور، منزوعة الرغبة بالبكاء، متصالحة بشكلٍ ممل مع
الخيبات... دخلتها لأحزم عامين مرا كالشريط السينمائي الذي، وإن طال، يملك نهاية
معروفة.
استقبلتني
بوشاحها الحزين، وبوجوه اهلها المألوفة الغريبة، وبشوارعها الهادئة حدّ الاضطراب. توقفتُ
تلقائياً عن الغناء، رغم أن اغنيتي المفضلة كانت تصدح في الخلفية، تحسستُ ببطءٍ
خافقي، وصمتت كل الاشياء من حولي.
كنت
حزينة وسعيدة في ذات الوقت، ولا زلتُ الى الآن احاول فهم ذلك.
--
هذه
المدينة منحتني الكثير، لكن هباتها كانت تستقرُ في احشائي كالمرض الخبيث، تنتهزُ
اي فرصةٍ للانقسامِ... فجعلت مني انشطارٌ واحد يقاوم اكتماله.
هذه
المدينة منحتني مساحةً خاليّة من الزيف لا يستطيع أي مكان آخر أن يمنحه، وفتحت
أمامي ابواب التيه على مصراعيها لأشحذَ اجنحتي، أو لأقصّها.
ولربما،
جناحاي يحتاجان في هذه المرحلة فضاءً غيرَ القدسِ ليُحلقا.
ولأن
للاشياء كلها نهاية، لم يتبقى لي إلا أن أطبع على جبهة التجارب قبلة شُكرٍ لما
وأدت في داخلي من أجل أن أكبر.
بعضُ الأشياء التي تدخل حياتنا تملكُ تاريخَ نفاذِ صلاحيّة..
مدموغٌ بخطٍ عريض على جبهتها.. ولا يهم حقًا ان دخلتها بعد دراسةٍ وإحاطة لكل
جوانبها او محضَ صُدفةٍ قدريّة..
نحنُ، ومنذ البداية، نعلَمُ أن ما تكنّه لنا بجعبتها في نُقصانٍ
مُستمر..
فإن كانت تحملُ لنا ألمًا، وجدنا تاريخها يلوحُ لنا كلما أصرفنا
فيها النظر، فيُربتُ على أكتافِ أحزاننا لنَصبِر..
لكن الفاجعة الحقيقيّة إن استطاعت تلكَ الأشياء أن تَخترقَ
حصانتنا النفسيّة وتستقرُ عميقًا في الجوايا كإسمٍ مُرادفٍ للسعادة.. فحينها
نُقبّلُ تلكَ الجبهةِ عسى مفعول الحُبِ من شِفاهنا يُزيلُ تاريخها المدموغَ ذاك
وينفخُ فيها روحًا أبديّة..
لكنَ مَسحوقَ الحُب السحريّ دائمًا ما يُخطئ الهدف،
ويستوطن في أعيننا عِوضًا عن جبهةِ الأشياء ويخطفُ من مقلتنا قدرتها
على الإبصارِ..
وحينَ تستردُ العيون نظرها وتقَشعُ ذاك التاريخ مُجددًا تَسقُط
أرواحنا الى هاويةٍ في داخلنا، كُلما تكررت خيباتنا كَبُرت فوّهتها..
وللسقوطِ دويّ يُحطم عِظامَ إيماننا في الحياةِ، وفي ذواتنا..
ويكسرنا من الداخل..
لكن، ورغم كل إمداداتِ القوّة التي نحقنها لأنفسنا في حينها
ونظنّها دونَ طائل، مصيرُ الكَسرِ أن يُجبر..
لا بُدّ له أن يُجبر!
لا تتحاشاه، ولا تحاول رأبَ شقوقهِ بكل ما يُتاحُ لكَ
لتُواريها...
ولا تُغلقَ ابواب قَلبكِ أمام الفَرحِ بحُجةِ خيانته السابقة
لك، هو كانَ صادقًا معك مُنذ البداية..
فلا تُحمّله ما لا طاقةَ له به لكي يكون
سقوطك القادم أخفُ وطأةً..
- المشكلة في الحقنات المهدئة التي تمنحنا
اياها الحياة بين حينٍ والاخر، كالنوم مثلًا او اغنية تأخذك الى عالمٍ موازٍ أو
رسالة طويلة من صديق، ليس في كونها آفِله، إنما بتضاعف جرعة الألم حين نُشفى من
اثرها ونعود لمواجهة كل ما حاولنا الهروب منه.
تجتاحني رغبةً شديدة بالانعزالِ عن العالم، بدءًا بالافتراضي الذي يخنقكك بزيفه من كل جانب، وانتهاءً بالواقعي البائس الذي لا يتركك وشأنك. ولكن، ألسنا في نهاية الأمر منعزلين ووحيدين رغم اكتظاظ المعارف؟ بلى. الخواء الداخليّ اعظم ألف مرةٍ من العزلة الجسدية.
اعودُ لأتساءل، ما السبب اذًا وراء حاجتي للهروب؟ لا أعلم. لكنني متيقنة من حاجتي له.
تجتاحني رغبةً شديدة بالانعزالِ عن العالم، بدءًا بالافتراضي الذي يخنقكك بزيفه من كل جانب، وانتهاءً بالواقعي البائس الذي لا يتركك وشأنك. ولكن، ألسنا في نهاية الأمر منعزلين ووحيدين رغم اكتظاظ المعارف؟ بلى. الخواء الداخليّ اعظم ألف مرةٍ من العزلة الجسدية.
اعودُ لأتساءل، ما السبب اذًا وراء حاجتي للهروب؟ لا أعلم. لكنني متيقنة من حاجتي له.
- مصابون بوعكةٍ من أمل، ونتقن الانتظار... انتظار
الشخص مجهول الملامح الذي سيأخذُ بيدنا من القاع، انتظار الحدث العظيم الذي سيغير
حياتنا، انتظار النجم الذي احترق قبل آلاف السنين ليحقق أمنية نتلوها بصمتٍ حين يصل
وميضه الينا..
لكن الانتظار جميل بصوتِ جوليا حين تقول "وصلّي تا تيجي،
ويهرب مني الوقت متل بنفسجة عم تكبر ع السكت..". وربما تكون هذه الاصوات هي الوقود الخافت الذي يبقي شعلة الانتظار في داخلنا موقدة.
- لا يخفى على أحد بأن بلادنا تنزفُ هذه الفترة بغزارةٍ أعظم
مما اعتدنا عليه في السابق. نعم، مما اعتدنا عليه في السابق... فصور الدماء والجثث
التي تملأ شاشاتنا الصغيرة - والتي باتت النافذة الوحيدة لنا على العالم - حقنتنا
بشدة على مر السنين حتى بتنا نملكُ مناعة حصينة جدًا امام هكذا احداث. نناظر الصور
والاخبار الكئيبة على الصفحات الاخبارية، نتأثر لبعض الدقائق ونمتعض، ثم نأخذ جرعة
تخدير جديدة للضمير ويسجد بداخلنا تمثال المثالية حين نلعن السياسة والانسانية
الزائفة والحظوظ بمنشورٍ منمق على صفحاتنا الاجتماعية.
أوطاننا ضاقت على ساكنيها، وما عادت لأحلامهم البسيطة اي مكان
وسط بحار الألم التي انتقعت بها... وأنا لا أمتلك أن اكتب عن اوجاعِ الوطن
العسيرة، فعذرًا لكل شبرٍ يئن فيك.
- قرأت قبل يومين
تدوينة للبنى أحمد تقول فيها "يمكنني الامتنان لشيء غير الوجع"، بقيتُ
اقلب الجملة في رأسي اكثر من ساعة، واحاول ملأ فجواتي الفكرية بها من كل جانب. لدي
الكثير لأكون ممتنة له، ممتنة للغة التي تثقب جوف قلبي حين تشعر بأنه مُثقل ليسيل
قليلًا، ممتنة لأصدقائي الذين يتحملون تقلباتي المزاجية ويحاولون جاهدين لملمة
أطرافي والصاقها مجددًا كلما تناثرت. أود لو باستطاعتي اخبارهم كم أنا ممتنة لهم،
ولوجودهم، وأنه لا داعٍ لمحاولاتهم هذه فهي تحرقني بدفئها العارم. ممتنة أيضًا
لعائلتي التي لا تُصدر بحقي أي أحكام. ممتنة للموسيقى التي تخلقُ لي عالمًا
موازيًا لا يمرُ فيه أحد سواي. ممتنة لأصدقاء الحرف الذين يقرأونني بصمت.
- أنا محتاجة جدًا لاعادة بناء العلاقة بيني وبين دراستي. فقدتُ
شعور الحب الجارف الذي كانَ يدفعني بنهمٍ للكتب ولموادي التعليمية. لا أريدُ ان
تُصبح علاقتي بها كامرأة تعيشُ سن يأسٍ مُبكر وتنتظر بفارغ صبر مرور بضع سنوات
للحصول على لقبٍ مُلتصقةٌ في اسفله وثيقة طلاق، فأخسرُ متعة الطريق وما تكتنز
جوانبه من تجارب.
- كل يومٍ يمر دون انجازٍ يُطفئ في داخلي شعلةً اضافية. أنا لا
اكره العالم مثلما أدعي، انا فقط اتعرف على جوانب جديدة من ذاتي ولا أعرف بعد
الطرق السليمة للتعامل معها، فأصب جُل غضبي على العالم.
- أفتقدُ الشغق الذي يصاحب قراءة كتابٍ جديد دون تلك الوخزة
الصغيرة في داخلي التي تذكرني بأنني استغل الكتب للهرب من المواجهة.
- هذا العالم لا يحتاج شيئًا عدا الحب.
- عليّ أن أتعلم تطبيق النظريات التي اؤمن بها، كالاحتفاء بالنصف الممتلئ من الكأس قبل ان يجف عوضًا عن إطالة النظر بالنصف الفارغ.
- بعضُ المقارنات احيانًا تزيدُ من وقع الحدث رغم أن
هدفها المواساة؛ فاعترافي بوجودِ من يعاني اكثر مني لا يُخفف من حجم مصيبتي. تذكيرك
المتكرر لي بأن احدهم جعلت منه الضربة أكثر قوةً لا ينفي بأن نظرتي السلبية للعالم
قد زادت. اخبارك لي بحكاية احدهم وكيف جعل من ركام فشله جسرًا لا يوقف شعور
الخيبة والحزن من أن ينبض بداخلي.
دعني أمنحُ لمشاعري حق الوجود ولا تختزل مراحلي.
- "حبي
حالك، حبي حالك ع الاقل مثل ما الي حوليكِ بحبوكِ.." ، هذه كانت ختام حديثي
مع صديقتي قبل قليل، ربما فعلًا عليّ أن افعل ذلك. فكيفَ يمكنني احتضان العالم إن
كان داخلي بارد؟
صَديقي
الذي يقرأ،
سألني
احدهم من مدة أن أُرسل له نصًا قمتُ بكتابته ولم أنشره على الملأ، أرادَ أن يقرأني
حقيقيّة دون المساحيق الواقية التي نَطلي بها نصوصنا قبل عرضها للنور. راجعتُ
ملفاتي حبيسةَ الظلام كلها والتي لم تشهد منذ ولادتها الالكترونية نورًا غيرَ ذاك
الباهت في جوفَ عينيّ حين تُطالعها، والمضحك بالأمر أنني شعرتُ وكأن كهلًا مُثقل
الفؤاد يستوطن في داخلي ويسكب ما يشاء من كآبة في هذه الملفات كلها.
لا
أدري لمَ تُجافيني اللغة حينَ أكون سعيدة.
أنا
امرُّ بفترةٍ صعبة. هاك، قلتها بملئ فمي ولم أختنق بالحروف مثلما تصورت.
البوح
مؤلم، ربما لأنني لم أعتده في السابق، وربما لأن الألم الحقيقي لا يكمن في البوح
بعينه، بل بالمحاولات البائسة للتخفيف عنا بعدما نتناثر علنًا. بعضُ الأوجاعِ لا
تحتملُ المواساة مهما كانت بليغة ومحمّلة بالدفء.
أنا
عاجزةٌ عن التركيز في شيء عدا عن الشعور بالخيبة، ممتلئةٌ أنا فيه من رأسي وحتى
أعمق بقعة في داخلي، ممتلئة بالخيبة ومزدحمة بالخواء وأبحثُ عن رُكنٍ منفيّ في هذا
العالم ليبتلعني.
لم
أعتد أبدًا على وجود ثغراتٍ في خُطتي الكونية، ولم أفكر يومًا باحتمال كوني أنا
ذاتي الخُطة التي يُجري بها الكون تجاربه المختلفة، وربما أحملُ في داخلي هذا الكم
الهائل من جلدِ الذاتِ لأنني كالطفلِ الصغيرِ الذي خطا خطوته الاولى بعدَ عامٍ من
الحبو ظنًا منه أن جبهته لن تطأ الأرض ثانية، فكانت الوقعة بعد الأملِ والاصرار
مؤلمة جدًا.
ربما،
لا أدري.
كل
ما أعلمه أن الكون الذي انفثُ فيه نوبات غضبي قد سخرّ لي هذه الفترة الموسيقى
لتكون لي مهدئًا الهيًا، سخرها لي لأكون تعيسةً بشكلٍ أفضل.
أضعُ
السماعات في أُذنيّ..
موسيقاي
المفضلة تُعزَفُ في رأسي،
صوتٌ لا صدى له يُرغِمُ خلايا دِماغي على تركِ مهامها كلها
والإستماع...
شيءٌ ما خفيّ يُنزِلُ السكينة على جفوني، لتِنغلق..
إنعزالٌ جزئي من ذاتي،
إنعزالٌ تام عن العالم.
ولربما،
هذا كل ما احتاجه الآن.
عادةً،
عجزي عن البدء في الكتابة يتناسب مع ما احتل ميناء الحرفِ هذه المرة مساحةً في
القلب. لكن، الأمر مختلفٌ الآن.. فكيفَ لي أن اخاطبك بمقاييس هذا العالم وفيكَ
تَصُبّ الموانئ كلها؟
رحتُ
أستمعُ لاغنياتٍ عن الأُم، وانتقل بين واحدةٍ تلو الأخرى، وأنصتُ بحبٍ اكبر كلما
عُزفتَ على مسامعي اغنية أعلم أنك تُحبينها علّها تُلهمني ولو بكلمةٍ واحدة ابدأ
فيها حديثي معك،
لكنني عجزتُ يا امي..
فأي
كلماتٍ تفي حقك في البداية، وأنتِ التي منك تبتدئ كل الاشياء؟
قد
تظنين بأنّه رغم ما تفيضُ به جعبتي من التعابير الا انني بخيلةٌ حين يقتربُ الأمر
منك..
لكنه ليس بُخلًا يا امي..
ليس بُخلًا ابدًا..
هو
العجز الذي يكبل كل خليةٍ في جسدي حين تَبثين قليلًا من روحك في داخلي..
هو
العجز يا امي يعتريني كُلّي كلما هممت لاداعب الحروفِ باسمك مثلما تداعبين ضفائري
وتسحبين خيوطَ الألم من بينها حين تُسقِطُني الحياةُ في محرابك كطفلةٍ صغيرة تاهت
عنها دميتها وعادت لتبحث عنها فيكِ...
هو
العجز امام سيول العطاءِ التي لا تنضب والتي تقابلين فيها نفسيتي المتقلبة وعصبيتي
غير المبررةِ احيانًا... عطاؤك الذي اقف امامه كثيرًا لأتساءل، ما الخيرُ العظيم
الذي صَنعته ليمنحني الله اياكِ عُرفانًا؟
لكن
خيرات العالم مجتمعةً لا تُضاهي صنيع شفتيك حين تمسحان الوجع عن جبهتي بِقُبلة.
دائمًا
ما كنتِ ترددين بأن عمرنا الحقيقي هو ما نَشعرُ به في الداخل وليسَ ما تمنحنا اياه
السنوات من تعدادٍ، ويا كثيرَ الآمان الذي منحني اياه ايمانك هذا، لكن اكثر ما
اخشاه الآن هو أن يشيخَ داخلك إثرَ ما نُلقيه عليكِ من ثِقَل...
لستُ
جاحدةً بالنعمةِ يا امي، لكن انشغالي بذاتي احيانًا يُنسيني أن نبضك الذي يسري في
داخلي ليسَ امرًا مفروغًا منه، وهمّتي التي تستندُ عليكِ لتستقيم تستنزفكُ بِحُبٍ
لا قدرةَ لي على استيعابه.
في
الخامس والعشرين من تموزِ كل سنة يقضُم عقرب الوقتِ ذيله قليلًا لأنه يعلم بأنني
في حضرتك احتاجُ بعدًا زمنيًا مختلفًا للكتابة...
لا
أدري ما الامنية التي تليقُ بِكَ لأغلفها في سجدةٍ نحو السماء... كل ما يجول خاطري
دعواتٌ نرجسية تُدنيني ولو قليلًا من هالتك، وتضفي على صغري بجانبك بعض الكمال او
تطلبُ عمرًا مديدًا لي بقربك، فلا أظنُّ بأن يومًا لا تكونين فيه سيُحسَبُ لي من
العمر...
سامحيني
يا امي، واسمحي لأنانيّتي بك أن تستمر يومًا اضافيًا ايضًا وتدعو الذي لا تضيع
عنده الأمنيات أن يُبقي حضنك ملجأ لانكساراتي الكثيرة.
كُل
عامِ وانتِ كما انتِ،
حينَ
تبتسمين يستكين في داخلي الألم...
كل
عامٍ ولغتي حينَ تكتُبكِ لا تكفيكِ...
25.7.2015
الكثيرُ
من الدراسةِ ينتظرني هذه الليلة. المادة التي سأُمتَحنُ بها بعدَ أيامٍ قريبةٌ
لذائقتي بشكلٍ مُزعج، قريبةٌ لدرجة النفور. قريبةٌ بشكل مؤلم!
شيءٌ
ما في داخلي يمنعني من التركيز فيها، رغم كل محاولاتي لحقن روحي بالمهدئات عساها
تستكين وتهدأ قليلًا.. لأتمكن من الدراسة.
في
الخلفية تُردد كارمن على مسامعي: "سَفرني ع أي بلد، وإتركني وإنساني..."
أنظرُ لكل الأشياء من حولي التي تُحاول حثّي على الدراسة؛ ملصقاتٌ صمّاء هنا وهناك.. كاسة نسكافيه شبه فارغة.. اقلامٌ ملوّنة.. وصورٌ مبعثرة تحملُ لحظات مسروقة من السعادة..
أشحتُ
فكري عن الدراسة قليلًا، وفتحتُ أمامه صفحةً بيضاء...
الكتابةُ
هي الدواء! هي طريقي الوحيد للتخلص من كل عوالق ذاتي المُستعصيّة.
لا
شيءَ سيُرأبُ الشرخ الذي يُنتجه فزعي من الدراسة بيني وبين نفسي مثل نَص وليدُ
اللحظةِ يُشعرني بأن هذا الجسد لا يحوي خرابًا فقط، هنالك أملٌ يختبئ بين الرُكام،
لا بُد له وأن يطغى ويتجبّر!
تراودني
في الفترةِ الاخيرة أفكارٌ مُقلِقة حول مستقبلي، وحول تخطيطات أدراجِ القلب التي
لم تُلامس النور ولا مسامع احدٍ بعد. أُخرِجُها كلها بحذرٍ واعاود قراءتها للمرة
المليون، وأرتجف.
شمّاعة
الأحلامِ مُثقَلة. ولا أظنُ بأن بوسعها إحتواء المزيدِ من الهروبِ والخيبات.
تُخيفني
فكرة أن الواقع في كثيرٍ من الأحيانِ يكون موازيًا للحُلمِ، لا يسيرُ معه، ولو
تعرّج الحلُم قليلًا لن يكون انحرافه كافيًا ليلتقيا. علينا حينها وبكل بساطة - أن
ننكسر ليُسيّرنا الواقع في مراكبه.
تخيفني
الفكرة أن كل الأشياء في داخلي تنتحب، تَحُثني على التوقف والخضوع.
تُخيفني
الفكرة أنني لربما أبني لنفسي سقفًا مهما علت همّتي، لن تطوله.
تُخيفني
الفكرة أنني سأرفعُ يدي عن الكتابة بعدَ لحظاتٍ لأهربَ لنومٍ يُغيبني عن الحياةِ
قليلًا، وسأستيقظُ بعده مُحملةً بألمٍ مُضاعف.
تُخيفني
الفكرة بأنني أكثرُ جبنًا وضعفًا من أن أُحسِنَ بالله الظن، وبالدعاءِ الذي أنفثه في
كل سجدةٍ بين يديه...
يا
رب المتعَبين،
تخيفني
ذاتي.. فإعتقني منها!
أهديتني معزوفةً لـ "روب كوستو".. وأخبرتني ان أترك كل ما يُشغلني وأستمع اليها بحواسي التي أعي بوجودها والتي لم أكتشفها بعد..
أخبرتني أن الموسيقى تخترقُ الجسد وتستقرُ في القلوبِ المثقوبة لترأبها..
الموسيقى إكسيرٌ للقلوب الكسيرة..
نفذتُ وصاياك كُلها، كمريضةٍ مُطيعة تحملُ في داخلها مضغةً نحو طبيبها المُعالج...
لكن الكائن بحجم القبضة في داخلي لا يزال يئن..
لم تكفه النوتات الموسيقية ولا كلماتك التي تتردد كالصدى بين جوارحي لرَقَي الشقوق الكثيرة التي صنعها خراب هذا العالم..
أخبرتني أن الموسيقى تخترقُ الجسد وتستقرُ في القلوبِ المثقوبة لترأبها..
الموسيقى إكسيرٌ للقلوب الكسيرة..
نفذتُ وصاياك كُلها، كمريضةٍ مُطيعة تحملُ في داخلها مضغةً نحو طبيبها المُعالج...
لكن الكائن بحجم القبضة في داخلي لا يزال يئن..
لم تكفه النوتات الموسيقية ولا كلماتك التي تتردد كالصدى بين جوارحي لرَقَي الشقوق الكثيرة التي صنعها خراب هذا العالم..







