"يا رب تشتي..." ثم أصمت... أنتِ أمامي الآن، تجلسين على سريرك، كعادتك، تطوين بين أصابعك كيسًا فارغًا، يُعانِد مصيره بالانكماش، تَبسُطينه، ثم تعودين لتشكيله من جديد... أحاول الغناء مجددًا... "يا رب تشتي..." أنتِ تُحبين الشتاء رغم ما يفرضُه عليكِ من منع تجوال، لكنّه يُكاسِرُ عنادنا أمام الانكماش، ويغلب. نعود راغبين إعادة تشكيلٍ إليكِ... "يا رب تشتي... وأروح عند ستي..." أنحني أمام اللفظ الأخير،...
أين تذهب الأمنيات الصغيرة التي تنفلتُ بين كلماتنا المدروسة والمصفوفة كالحصن جنبًا إلى جنب؟ أيعقل بأنها تتسلل للسماء في ظلّ النهار وتبقى معلّقة هناك إلى أن تدق الساعة الثانية عشر بعد منتصف الليل فتحول شهبًا؟ هنالك أمنيات بيضاء هلاميّة، تسقط في الفجوات التي يُحدثها غياب الأشياء وتتخذ صورتها في محاولة خبيثة لصدّ الحنين. وهنالك أمنيات سوداء، تتساقط كالنيازك التي تحملُ للأرض ضغينة عمرها...
نحنُ نأتي على وجه الدنيا وحيدين، كلٌ منا في مسلكه، لكننا نمضي حُكمنا فيها في محاولة بائسة لنقض هذه الحقيقة. يقولون أن الحياة لا تُعاش إلّا بآخر نُقاسمه شطرًا من ذواتنا ويحمل عنا كتف مشاعرنا الثقيل – الثقيل جدًا- ونحمّله كذلك وزر ما نرغب في أن يكون حجابًا عن أبديّة الفراغ. علاقتنا بالأشياء تُبنى من رغبةٍ داخليّة بتشكيلها، من شعورٍ ملحٍّ بحاجة تجثو...
عزيزي الذي يقرأ، الأسئلة كلها تملك إجابة واحدة... أحاول منذ مدّة أن أكسرَ معتقل الشعور بالكتابة، لا أدري إن تكوّرت على نفسها في جوفي بإرادةٍ منها أو حشرها أمرٌ ما هناك، الأمر الوحيد المؤكد أنها معتقلة وأن الركود في سجنها يطيب لها، لم تعد تتحايل على النورِ في المقل أو في أعلى الثغر. تجلسُ بحزنٍ رتيب جميل في القاع، تتقلب ذات اليمين وذات...